الوعي وظاهرة قاع الهامور) بقلم دكتور مجدى حميده

. (معركة الوعي وظاهرة قاع الهامور)
حين يتحول الترند من مساحة للترفيه إلى إختبار لقدرتنا على إدارة الإنتباه
لم أكن من المتابعين للترندات على وسائل التواصل الإجتماعى ولم تكن ظاهرة (قاع الهامور) ضمن الموضوعات التي أتابعها أو أبحث عنها. لكن كثرة الأسئلة التي وجهها ليَّ بعض الأصدقاء عن رأيي فيها جعلتني أتوقف أمامها لا بإعتبارها مجرد ترند جديد سرعان ما يظهر ثم يختفي وإنما بإعتبارها ظاهرة رقمية تستحق أن نقرأ ما وراءها.
فالقضية في تقديري ليست: ما هو قاع الهامور؟
وإنما السؤال الأهم:
كيف يستطيع محتوى بسيط وترفيهي أن يتحول خلال أيام قليلة إلى ظاهرة تشغل مساحة واسعة من الوعي الجمعي؟
هنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية.
قاع الهامور... من عالم خيالي إلى ظاهرة رقمية(قاع الهامور) هو الإسم العربي للمدينة الخيالية التي تدور فيها أحداث عالم (سبونج بوب سكوير بانتس). لكن ما حدث في مصر خلال الأيام الأخيرة نقل الإسم من عالم الرسوم المتحركة إلى عالم مختلف تمامًا إذ تحولت مجموعة على فيسبوك بعنوان (شكاوى أهالي قاع الهامور) إلى مساحة للسخرية والكوميكس يتعامل فيها المشاركون مع المدينة الخيالية وكأنها مجتمع حقيقي له سكانه ومشكلاته وشكاواه اليومية وتم فيه إنشاء بعض الوزارات وأقسام شرطة.
ثم اتسعت الدائرة بسرعة وبدأ المستخدمون بإعادة إنتاج الفكرة بطرق مختلفة وشارك فيها عدد من الفنانين والمشاهير كما ساهم الذكاء الإصطناعي في إنتاج صور ومشاهد جديدة داخل هذا العالم الإفتراضي.وهنا تحولت الفكرة من كوميكس ساخر إلى ظاهرة رقمية جماعية.وهذا التحول هو ما يستحق الوقوف والتأمل.
المشكلة ليست في قاع الهامور.
من السهل جدًا أن نقع في خطأ الحكم السريع فالترفيه ليس عدوًا للوعي والضحك ليس ضد الثقافة والسخرية ليست بالضرورة دليلًا على الإنحدار بل إن المجتمعات تحتاج إلى الفكاهة وقد تستخدم السخرية أحيانًا للتعبير عن مشكلات حقيقية بطريقة أكثر قدرة على الوصول إلى الناس إذن ليست القضية أن هناك ترندًا ساخرًا.
القضية هي:
لماذا يستطيع هذا النوع من المحتوى أن يحصل على هذا القدر من الإنتباه وبهذه السرعة؟
وهنا ننتقل من قاع الهامور إلى إقتصاد الإنتباه.
***الإنتباه... الثروة الجديدة***
في عصر وسائل التواصل الإجتماعى لم يعد الصراع فقط على المال أو الأسواق أو الموارد.
هناك مورد جديد أصبح أكثر ندرة:
إنتباه الإنسان.
كل منصة تريد أن تحتفظ بالإنسان كمستخدم أطول فترة ممكنة وكل صانع محتوى يريد زيادة المشاهدات وكل معلن يريد الوصول إلى الجمهور وكل خوارزمية تبحث عن المحتوى القادر على تحقيق التفاعل وهكذا أصبح الإنتباه موردًا له قيمة إقتصادية وإعلامية كبيرة ومن هنا تتشكل معادلة جديدة:
- الإنتباه يولد المشاهدة.
- المشاهدة تولد التفاعل.
- التفاعل يولد الإنتشار
- الإنتشار يصنع الشهرة
- الشهرة يمكن أن تتحول إلى مال وتأثير.
وهنا يصبح السؤال:
هل كل ما يجذب الإنتباه يستحقه؟
من نظام التفاهة إلى إستثمار التفاهة
منذ سنوات تناولت في دراسة تحليلية متتابعة كتاب (نظام التفاهة) للفيلسوف الكندي آلان دونو وكان من بين الموضوعات التي توقفت عندها قضية التفاهة في الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي لكن المشهد الرقمي اليوم يفرض علينا سؤالًا جديدًا لم يعد السؤال فقط:
كيف تنتشر التفاهة؟
بل:كيف يتم إستثمار التفاهة؟
فهناك فرق كبير بين أن تكون التفاهة موجودة وبين أن تتحول إلى منتج قابل للتسويق والتكرار وتحقيق المشاهدة والشهرة والأرباح قد تبدأ القصة بمزحة ثم تصبح صورة ثم تتحول إلى منشورات ثم تصبح ترندًا ثم تدخل إليها الحسابات المؤثرة ثم الإعلانات.
ثم الذكاءالإصطناعي.
وفجأة نجد أنفسنا أمام صناعة كاملة لمحتوى قامت على فكرة بدأت بسيطة جدًا وهنا لا تعود القضية مجرد (تفاهة) بل تصبح:
إقتصادًا قائمًا على الإنتباه الخوارزمية لا تقيس عمق الفكرة
الخوارزمية لا تسأل بالضرورة:
هل هذا المحتوى عميق؟
هل هذا المحتوى علمي؟
هل سيضيف معرفة جديدة؟
هل سيرتقي بالذوق العام؟
إنما تعمل وفق مجموعة من مؤشرات التفاعل والإنتشار والإهتمام.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية: المحتوى المثير قد يكون أسرع إنتشارًا من المحتوى العميق والمحتوى السهل قد يتفوق على المحتوى الذي يحتاج إلى تفكير والمحتوى الذي يثير الضحك أو الدهشة قد يحصل على تفاعل أكبر من مقال علمي يحتاج إلى عشر دقائق من التركيز وهذا لا يعني أن الخوارزميات (تصنع التفاهة) وحدها لكنه يعني أن منطق الإنتشار ليس بالضرورة هو منطق القيمة وهنا تبدأ معركة الوعي فإن معركة الوعي ليست معركة ضد (قاع الهامور) وليست معركة ضد السوشيال ميديا وليست معركة ضد الترفيه إنها معركة ضد فقدان القدرة على الإختيار أن أعرف أن هذا المحتوى للترفيه.
وأن هذا للمعرفة.
وأن هذا للنقاش.
وأن هذا لا يستحق أن أمنحه من وقتي أكثر مما يستحق.
فالوعي الحقيقي لا يجب أن أتابع كل شيء بل يجب أن أعرف:
ما الذي يستحق أن أتابعه وما الذي لا يستحق؟
حين تختلط الشعبية بالقيمة
ربما تكون هذه إحدى أخطر نتائج عصر الترندات.
لقد بدأنا أحيانًا نخلط بين:
- الأكثر مشاهدة والأكثر أهمية.
وبين:
- الأكثر إنتشارًا والأكثر قيمة.
وبين:
- الأكثر شهرة والأكثر تميزًا.
وهذه مغالطة خطيرة.
فقد يحصل محتوى على ملايين المشاهدات دون أن يضيف شيئًا حقيقيًا إلى معرفة الإنسان.
وفي المقابل قد يقرأ عدد محدود جدًا كتابًا أو دراسة أو مقالًا لكن تأثيره في حياة هؤلاء الأشخاص يكون عميقًا ومستمرًا.
القيمة ليست دائمًا رقمًا في عداد المشاهدات.
من المتلقي إلى المنتج
هناك جانب آخر شديد الأهمية في ظاهرة (قاع الهامور).
المستخدم لم يعد متلقيًا فقط.
لقد أصبح شريكًا في إنتاج الظاهرة.
كل شخص يستطيع أن يضيف نكتة.
أو يصنع صورة.
أو يعيد تركيب موقف.
أو يضع شخصية داخل عالم قاع الهامور.
أو يستخدم الذكاء الإصطناعي لصناعة نسخة جديدة.
وهكذا يصبح الترند كائنًا رقميًا يتغذى على إعادة الإنتاج.
كل مشاركة تصنع مشاركة أخرى.
وكل نسخة من المحتوى تمنح الفكرة حياة جديدة.
وهذا أحد أسرار قوة السوشيال ميديا:
الترند لا ينتشر فقط لأن الناس يشاهدونه وإنما لأنه يمنح الناس فرصة لأن يصبحوا جزءًا منه.
الذكاء الإصطناعي يغير قواعد اللعبة
وهنا نصل إلى متغير لم يكن موجودًا بهذه القوة في السنوات السابقة:
الذكاء الإصطناعي.
اليوم أصبح إنتاج الصور والمشاهد والمحتوى الساخر أسرع وأسهل.
وبالتالي إنخفضت تكلفة إنتاج المحتوى وارتفعت قدرة المستخدم العادي على المشاركة في صناعة الصورة والسيناريو والشخصية.
وهذا يحمل فرصة كبيرةأ لكنه يحمل أيضًا سؤالًا مهمًا:
إذا أصبح إنتاج المحتوى أسهل وأسرع فهل ستزداد المعرفة بنفس سرعة زيادة المحتوى؟
ربما تكون الإجابة الأكثر واقعية هي:
ليس بالضرورة لأن إنتاج المعلومات أصبح أسهل لكن إنتاج المعنى لا يزال يحتاج إلى عقل يفكر وتجربة تتراكم ووقت للتأمل ولهذا قد يكون التحدي القادم ليس نقص المعلومات وإنما:
تضخم المعلومات مع نقص المعنى.
هل نحن نستهلك الترند... أم يستهلك الترند وعينا؟
هذا هو السؤال الذي أعتقد أنه يستحق أن نطرحه ليس المطلوب أن نقاطع كل ترند ولا أن نحول كل محتوى ترفيهي إلى قضية أخلاقية ولكن المطلوب أن نمتلك المناعة النقدية التي تمنعنا من الخلط بين الترفيه والقيمة أن نستطيع أن نضحك دون أن نفقد قدرتنا على التفكير وأن نشارك دون أن نتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج أي شيء.

وأن نتابع دون أن نفقد السيطرة على وقتنا وأن نستخدم التكنولوجيا دون أن نسمح للتكنولوجيا بإدارة وعينا نيابة عنا المعركة الحقيقية ليست مع الترند قد ينتهي (قاع الهامور) بعد أيام وقد يأتي بعده ترند آخر وقد تتغير الشخصيات والأسماء والمنصات لكن معركة الوعي ستظل قائمة لأن القضية ليست في إسم الترند إنما القضية في المنظومة التي تجعل الإنسان ينتقل من موضوع إلى آخر ومن إثارة إلى إثارة ومن صورة إلى صورة دون أن يتوقف كثيرًا ليسأل نفسه :
ماذا أضاف هذا إلى عقلي؟
وماذا أخذ مني؟
ولماذا جذبني؟
ومن المستفيد من هذا الإنتباه؟
الوعي يبدأ من إدارة الإنتباه
ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم الوعي.
فالوعي ليس فقط أن أعرف الأحداث.
وليس أن أعرف كل ما يتصدر مواقع التواصل.
وليس أن أكون حاضرًا في كل نقاش.
الوعي الحقيقي هو أن أمتلك القدرة على إدارة إنتباهي.
- أن أعرف متى أشارك.
- ومتى أتوقف.
- متى أضحك.
- ومتى أفكر.
- ومتى أتابع.
- ومتى أغلق الشاشة.
فالإنسان يستطيع أن يعوض المال الذي فقده وأن يبدأ عملًا جديدًا وأن يعيد بناء علاقاته.
لكن هناك شيئًا واحدًا لا يستطيع إستعادته:
الوقت الذي منحَه لما لا يستحق المشاهدة.
** الخلاصة **
(قاع الهامور) في حد ذاته قد يكون مجرد ظاهرة ترفيهية ساخرة وقد يختفي كما إختفت قبله عشرات الترندات لكن قيمته بالنسبة لي ليست في بقائه أو إختفائه فقيمته أنه يمنحنا فرصة للنظر في المرآة.
مرآة تكشف لنا كيف يعمل الإنتباه في العصر الرقمي وكيف يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى ظاهرة جماعية وكيف يمكن للترفيه أن يتحول إلى إقتصاد وكيف يمكن للتفاهة أن تصبح قابلة للإستثمار وكيف يمكن للذكاء الإصطناعي أن يضاعف سرعة إنتاج المحتوى ثم نصل إلى السؤال الأكبر:
من يدير إنتباهنا؟
فإذا كان (نظام التفاهة) قد جعلنا نتأمل في صعود التفاهة داخل المجتمع والمؤسسات فإن عصرنا الرقمي يفرض علينا سؤالًا جديدًا:
ماذا يحدث عندما تصبح التفاهة قابلة للإستثمار؟
وهنا لا تكون معركتنا مع (قاع الهامور).
معركتنا الحقيقية هي معركة الوعي.
لأننا لسنا مطالبين بأن نعرف كل شيء...
بل أن نعرف ما الذي يستحق أن نمنحه من عقولنا ووقتنا وإنتباهنا.
.......................
د.مجدى حميده
إستشارى التخطيط الإستراتيجي وخبير التنمية البشرية


تعليقات