صندوق الأحلام الخشبي..قصة المبدعة نورة حمدي التي حوّلت بقلم الشاعر الناقد محمد المحسن

صندوق الأحلام الخشبي..قصة المبدعة نورة حمدي التي حوّلت أوتار القانون إلى أناشيد عذبة..
من أعماق الصحراء التونسية،حيث تحكي الرمال حكايات الأزل، تعلو نغمةٌ مختلفةٌ تصنعها أصابع ذهبية على أوتار "الصندوق الخشبي" الساحر.
هنا،حيث يمتزج همس التاريخ مع حلم المستقبل، تولد قصة سة من تطاوين اسمُها نورة حمدي، اختارت أن تُترجم صمت الصحراء إلى موسيقى، وصريرَ الريح إلى سيمفونيةٍ من الإبداع.إنها رحلة عشقٍ بين إنسانة وآلة،بين التراث والحداثة،بين التحدي والنجاح.فكيف استطاعت هذه الموهبة أن تحوّل مساحة من الظّلام الثقافي إلى منصة تضيء بأنغام القانون؟ وكيف يمكننا أن نكون جسرا يحمل أحلامها إلى برّ الأمان؟
قلت،في أعماق الجنوب التونسي،حيث تمتزج أنفاس التاريخ بلحن الريح العابرة،وتختزن الرمال أسرار الأجداد،وُلدت موهبة فنية استثنائية تُدعى نورة حمدي من قلب جهة تطاوين الشامخة.
لم تكن رحلة نورة مجرد تعلم لعزف النوتات،بل كانت وقوعا في غرام صادق مع "الصندوق الخشبي" الساحر،آلة القانون،لتصبح عازفة مبدعة تنسج خيوط النغم بأصابع ذهبية.
منذ اللحظة الأولى التي التقت فيها نورة بآلة القانون،انبهرت بجمالها وبساطتها المعقدة، بتفاصيلها الدقيقة وأوتارها التي تختزل تاريخا موسيقيا عريقا..كان حبا من النظرة الأولى،تحوّل إلى عشقٍ يومي،وصبرٍ على تدريب الأصابع،وسهر على اكتشاف أسرار هذا العالم الواسع.فالقانون ليس مجرد آلة،بل هو كون كامل من المشاعر،يُعبّر عن حزن بألحان حزينة،ويفرح بإيقاعات مبتهجة، ويحلم بنغمات شجية تلامس الروح وتداعب الوجدان..
لم تكتفِ نورة بحفظ المقطوعات التقليدية،بل أضافت لها لمسة روحها الشابة،فجمعت بين أصالة التراث وحداثة الإحساس،وعزفت بأسلوبها المتميز أعذب الألحان.وأصبحت عروضها حكايات تُروى بالموسيقى،تنقل سامعيها من صحراء تطاوين الواسعة إلى فضاءات من الجمال الخالص، مؤكدة أن الموهبة الحقيقية قادرة على اختراق الحدود الجغرافية والوصول إلى كل القلوب.
لكن رحلة الموهبة وحدها لا تكفي في عالم يحتاج إلى الدعم والرعاية.هنا،نوجه نداء حارا ومخلصا إلى وزارة الثقافة وكل المؤسسات المعنية، لنتكاتف جميعا من أجل دعم الموهبة الصاعدة نورة حمدي.فاستثمارنا فيها هو استثمار في مستقبل تراثنا الموسيقي الأصيل.
إنها تستحق كل تشجيع ليستمر عطاؤها،ويتألق نجمها أكثر على الساحة الفنية،ليس فقط كعازفة متميزة،بل أيضا كـأستاذة موسيقى تؤسس لجيل جديد من العازفين والموسيقيين.فتعيينها في منصب أكاديمي سيمكنها من نقل معرفتها الثمينة للأجيال القادمة،حفظ تقنيات العزف على الآلات التراثية من الاندثار،اكتشاف المواهب الصغيرة وتشجيعها،خاصة بين الفتيات في مناطق قد تكون الفرص فيها محدودة،الإسهام في إثراء الحركة الثقافية المحلية والوطنية،وترسيخ الهوية الموسيقية التونسية الأصيلة..هذا بالإضافة إلى صقل موهبتها من خلال التفاعل الأكاديمي والبحثي،لتصبح رمزا فنيا شاملا..
وقد لا أرمي الورود جزافا إذا قلت أن أ-نورة حمدي ليست مجرد عازفة،بل هي قصة إصرار،وشغف ينتصر على كل التحديات،ورسولة جمال تحمل صوت ترابها وروح صحرائها إلى العالم عبر أوتار قانونها.ودعمها اليوم وتمكينها هو مسؤوليتنا الجماعية لضمان استمرارية هذا الإرث النغمي الثمين.
لنمنحها المنصة التي تستحقها،ولنحول حلمها إلى واقع ملموس،حتى تظل أنغامها الخالدة ترن في أسماعنا،وتعلمنا أن الإبداع الحقيقي يبدأ بحب صادق...حب كالذي جمع بين فتاة من تطاوين.. وصندوقها الخشبي الساحر.
على سبيل الخاتمة :
في أعماق الجنوب التونسي،حيث تبدو الشمس أكثر إصرارا والأرض أكثر تحدّيا،تكمن مفارقة عظيمة: فمن رحم التصحر الثقافي ووهن المنوال التنموي والتباين الصارخ بين الجهات،تُولد أقوى أشكال المقاومة-مقاومة بالجمال،بالإبداع،بالأمل.. تطاوين،تلك الجهة العريقة التي تختزل في رمالها تاريخا إنسانيا موغلا في القدم،لم تكن أبدا أرضا صامتة،بل هي منبت لكتابٍ خطّوا حروفهم بأضوائهم الذاتية،ولموسيقيين حوّلوا صحراءهم إلى سيمفونية من الوجد،ولمسرحيين جعلوا من المساحات المفتوحة منصات للحكاية والتأمل.إنها أرض تتنفس فنا رغم الجفاف،وتُخرِج من أعماقها مبدعين يحملون تراثا حيا يحتاج فقط إلى لفتة كريمة من سلط الإشراف،إلى نظرة إيمان تُحيل طاقاتهم الخام إلى مشاريع ثقافية تثري الوطن وتعيد للجنوب حضوره المشرق في الخريطة الإبداعية لتونس.ونورة حمدي ليست إلا غصنا مزهرا من هذه الشجرة الوارفة،ونأمل أن تكون جهودها وأقرانها بداية لعهد ينصف إبداع الجهات المنسية ويروي ظمأها إلى الاعتراف والدعم.
ختاما،تتجسد قصة الأستاذة نورة حمدي كأنشودة تضيء ظلمة التحديات،وتحمل في نغمات قانونها روحا تواقة إلى الخلود.فمن أعماق الجنوب الشرقي التونسي ( تطاوين)،حيث تُخلق المعجزات رغم شحّ الفرص-كما أشرت-،تبرز هذه المبدعة كشاهد على أن الجمال يصنع مقاومته الخاصة.
ونحن،إذ نرفع تحية إكبار لهذه المبدعة السامقة (نورة حمدي)،فإننا نحيي فيها كل من يحملون شعلة الإرث الفني ويذودون عن هويتهم بنغم صادق.فلتكن أيامكِ يا نورة إبداعا متجددا، وإشعاعا متواصلا،ولتظل أوتاركِ جسرا يربط بين أعماق التراث وآفاق المستقبل.
تحية من القلب لفنانة تضع عطر الأرض في كل نغمة،وتذكرنا بأن الإصرار والحب هما أقوى أدوات الخلود.

متابعة محمد المحسن



تعليقات