الشاعرة والكاتبة التونسية المتنيزة روضة بوسليمي : حين تصبح الغربة نبيا..لا يتبعه أحد..! تمهيد: الشاعر الناقد محمد المحسن
الشاعرة والكاتبة التونسية المتنيزة روضة بوسليمي : حين تصبح الغربة نبيا..لا يتبعه أحد..!
تمهيد:
حيث يولد الحرف غريبا:
هناك أصوات في الأدب لا تشبه غيرها،تكتب كما لو أنها تخاطب روح الكون،لا كما لو أنها تبحث عن قارئ.الشاعرة التونسية روضة بوسليمي تنتمي إلى هذه الفئة النادرة من المبدعات اللواتي يكتبن بدمائهن،لا بحبرهن.تقرأ لها نصا واحدا،فتدرك أنك إزاء تجربة شعرية أصيلة،لا تعتمد على الزخارف اللغوية الرخيصة،بل تنهل من عمق إنساني متأصل،وتنطلق من روح تفيض أسئلة وجودية لا تنتهي..
هي شاعرة الحزن الجميل،والأسى المتأمل، والغربة التي لا تشبه غربة الآخرين.شاعرة الهشاشة العاطفية الممزوجة بقوةٍ خارقة على الاحتمال والكتابة.تقول في مقطع شعري قصير، لكنه يهز كيان القارئ:
كذاك الذي وُلِد غريبا
وعاش حزينا حزينا...
كذاك النبي الذي لم يتَّبعه أحد..
كذلك أنا..
ثلاثة أسطر فقط،لكنها تحمل فلسفة كاملة عن الوجود،وعن علاقة المبدع بالعالم،وعن سر تلك الهوة العميقة بين الإنسان الحقيقي ومحيطه.
"كذاك الذي وُلِد غريبا"..تبدأ روضة بوسليمي نصها بهذا الإعلان الصادم: الغربة ليست اختيارا،بل قدر. إنها حالة وجودية ترافق الإنسان منذ أول لحظة يفتح فيها عينيه على هذا العالم.ليست غربة المكان التي يمكن علاجها بالعودة إلى وطن،بل غربة الروح التي لا تشبه الأرواح الأخرى،غربة الحساسية المفرطة التي تجعل صاحبها يرى ما لا يراه الآخرون،ويشعر بما يعجزون عن استشعاره.
في هذه العبارة الأولى،تستدعي الشاعرة كل معاني الاغتراب الصوفي الذي عرفه كبار المتصوفة والشعراء عبر التاريخ.إنها تشبه قول الحلاج: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"،أو تغريد جلال الدين الرومي في وحدته الكونية.لكنها تفعل ذلك بلغة معاصرة،شفافة،لا تعقيد فيها ولا غموض مصطنع..
ثم تتكرر كلمة "حزينا" مرتين: "وعاش حزينا حزينا".هذا التكرار ليس حشوا لغويا،بل هو توكيد لمأساة مضاعفة.الحزن الأول: حزن الغريب الذي لا يجد من يفهم لغته.والحزن الثاني: حزن إدراك أن هذه الغربة لن تنتهي،وأن الحزن سيصبح الرفيق الدائم.
روضة بوسليمي،التي وصفها النقاد بأنها "شاعرة الحزن والأسى مهما تفاءلت نصوصها،شاعرة الهشاشة العاطفية ورهافة الإحساس"،تختزل في هذه الكلمة المكررة فلسفة كاملة عن علاقة المبدع بالوجود.إنها تعرف أن الحزن ليس مجرد حالة عابرة،بل هو نافذة يطل منها المبدع على أعماق لا يبلغها السعداء.الحزن عندها ليس انكسارا،بل هو ذلك "الفيض الوجداني" الذي يتحول قصائد،كما لاحظ النقاد في مجموعتها "لا حياء في خيال" .
هنا تأتي المفارقة الكبرى: "كذاك النبي الذي لم يتبعه أحد". التشبيه بالنبي يرفع المعاناة الفردية إلى مصاف التجربة الإنسانية المقدسة.إنها لا تشبه نفسها بفرد عادي،بل بالنبي الذي حمل رسالة،لكن الناس لم يتبعوه.هذا التشبيه يحمل أكثر من دلالة:
أولا: الإشارة إلى أن الغربة قد تكون ثمنا باهظا لحمل رسالة صادقة.فمن يملك رؤية عميقة للوجود،لا يمكن أن يجد قبولا سهلا بين الناس،لأن كلماته تتجاوز آفاقهم المحدودة.
ثانيا: استدعاء الموروث الديني والثقافي،وهو ما لاحظه النقاد في شعر روضة بوسليمي،حيث "المفردات القرآنية" و"الموروث الثقافي العربي الإسلامي" يسقي نصوصها وينبت فيها معاني ذات دلالات عميقة .
ثالثا: التلميح إلى أن الوحدة قد تكون وساما، وليس وصمة.فالأنبياء هم أكثر الناس وحدة في زمانهم،لكنهم الأكثر خلودا في التاريخ.
ثم تختم: "كذلك أنا". بهاتين الكلمتين،تدمج روضة بوسليمي تجربتها الشخصية في النسيج الإنساني المقدس.إنها تقول: أنا لست شاذة في غربتي،بل أسير على درب من سبقوني من العظماء.
هذا الإعلان يحمل جرأة استثنائية،لكنه يخلو من أي ادعاء.إنه وعي ذاتي عميق بخصوصية التجربة الشعرية،وبالثمن الذي يدفعه المبدع الحقيقي مقابل صدقه مع نفسه ومع قارئه.
من يتابع تجربة روضة بوسليمي الشعرية،يدرك أن هذه المقولة ليست مجرد أبيات عابرة،بل هي خلاصة رؤيتها للعالم.هي شاعرة "لا تهادن،ضاجة حتى في شرودها لا تعرف السكينة،لعلها تحاول محاربة الخبث بالكتابة الصارخة" .
إنها تكتب "بعينين غائمتين ماطرتين"، تفيض بالحنين والألم،لكنها مع ذلك تظل ممسكة بالجمال. إنها "تتغنى بتقلباتها المزاجية بدون رقيب،لا تعيد تنقيح نصوصها ولا تهتم بصناعة الكلام،بل تؤمن بعفويتها وسليقتها" .
ما يميز روضة بوسليمي هو قدرتها على تحويل التجربة الذاتية إلى نص يتسع للجميع.هي "شاعرة الحب والجمال،تكتبها بعينين غائمتين ماطرتين أحيانا حسرة على خذلان الأزمنة المتعاقبة بتناقضاتها".إنها تترجم مكنونات الذات بصدق، لأنها تؤمن بأن"ما ينطلق من الذات أكيد سيصل إلى الذوات الأخرى بنفس الصدق".
ربما تكون هذه المقولة القصيرة هي المفتاح الحقيقي لفهم تجربة روضة بوسليمي.إنها تضعنا أمام معادلة صعبة: إما أن تكون عاديا فتحظى بالقبول،وإما أن تكون نبيا فتعيش غربة لا تنتهي. وهي تختار الطريق الثاني،طريق النبوة الشعرية، مهما كلفها ذلك من ثمن.
وفي عالم يضج بالكتابة السريعة والكلمات المستهلكة،تطل علينا روضة بوسليمي بصوتها الخاص،تذكرنا بأن الشعر الحقيقي ليس ترفا،بل هو "رؤية للوجود"، وأن "الكلمة الهادفة قادرة على بناء وعي متجدد،وعلى صوغ ذائقة فنية تقاوم الرداءة وتعزز قيم الجمال والفكر الحر" .
"كذلك أنا"..نعم، كذلك أنتِ يا روضة.غريبة كالأنبياء،حزينة كالعشاق،صادقة كالأطفال.
ولعل في هذه الغربة سر خلودك.
محمد المحسن
تنويه : تُرجمت بعض أعمال الشاعرة روضة بوسليمي إلى لغات أجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية والكردية،وهو ما يؤكد البعد الإنساني في تجربتها،وقدرتها على ملامسة الوجدان بلغة كونية تتخطى الحواجز الجغرافية .


تعليقات
إرسال تعليق