النبي المضاد : تأملات في تمرد زرادشت تصدير الشاعر الناقد محمد المحسن

النبي المضاد : تأملات في تمرد زرادشت
تصدير:
زرادشت،ليس شخصية روائية نقرأها ونتجاوزها،بل مرآة محدّبة تعكس خيارنا الوجودي الأصعب: إمّا الركود في شرنقة الأنا القديمة،في دفء القطيع وأمان التبعية،أو تجاوز الذات في مغامرة الخلق المستمرّ،حيث لا ضمانات ولا يقينيات،بل إرادة وقوة واحتمال..( الكاتب)

منذ أن خطا الإنسان الأول على الأرض،ظلّ يرفع عينيه إلى السماء باحثا عن إشارة تنتشله من عبثية الوجود.فالأنبياء كانوا دوماً جسرا بين الأرض والسماء،يحملون بشرى الخلاص أو وعيد الجحيم،ليؤسسوا نظاما أخلاقيا يضبط فوضى الحياة ويمنح الجماعة تماسكها أمام رعب المجهول.لقد كان الوحي،في جوهره التقليدي، إجابة تُسكت السؤال،ونورا يبدد ظلمة الحيرة الجماعية.لكن ماذا لو نزل نبيّ لا ليؤسس،بل ليهدم؟ ماذا لو كانت رسالته الوحيدة هي أن لا رسالة،وأن الحقيقة ليست منزلة بل مغامرة فردية، وأن الخلاص الحقيقي يكمن في فقدان الخلاص نفسه؟!
هذا هو اللغز الوجودي الذي يضعه نيتشه أمامنا في شخصية زرادشت،النبيّ الذي ينزل من قمّة عزلته بعد عقد من التفرّد والتأمل،ليعلن موت اليقين،ويحطّم الأوثان التي صنعتها البشرية لتؤمن بأن معناها يأتي من خارجها.إنه نبيّ بلا إنجيل،ورسول بلا رسالة،يحمل في جعبته فراغا مقدسا ليملأه الإنسان بإرادته.
ففي عالم يئن تحت وطأة الميتافيزيقا والأخلاق الجاهزة،عالم أصبح فيه "الإله"مجرد فكرة بالية استنفدت قوتها،يأتي زرادشت ليذكرنا بأن أعظم نبوّة هي التي تجعل من الإنسان مسؤولا عن خلق قيمته،لا مجرد تابع لقيم موروثة.هنا تكمن المفارقة: إنه النبي الذي يعلن استحالة النبوة بالمعنى التقليدي،فيجعل من نبوته جسرا نحو ما بعدها.
في فلسفة نيتشه،يتحوّل زرادشت إلى أيقونة مضادّة،إنه النبيّ الذي يقلب جوهر النبوّة رأسا على عقب.هابطا من قمّة عزلته،لا يحمل بشرى خلاص جاهز،بل يصدم البشر بكلمته الفجّة التي تخرس الألسنة وترجّ العقول: "أنا أعلّمكم الإنسان الأعلى،الإنسان كائنٌ يجب تخطّيه".
إنها ليست دعوة للغرور،بل إعلان أن الإنسان ليس غاية،بل جسرا،ليس كائنا مكتملا،بل سيرورة متواصلة من التجاوز والتحول.
هذا النبيّ الغريب ينتزع من تحت أقدامنا اليقين، يهزّ أسس المقدّس فينا: قيمكم ليست منزّلة، أخلاقكم ليست أبديّة،ومعنى حياتكم ليس هبة تورث،بل مسؤولية تخلقونها بأنفسكم.
في صرخته الشهيرة: "حيث ينتهي القطيع،هناك يبدأ الإنسان"،يؤسّس لميلاد الفرد من رحم التمرّد على العقل الجمعي.إنها لحظة ولادة جديدة،لا تُحتفى بها بالماء المقدس،بل بدم الإرادة وجمر المسؤولية.
وضحكة زرادشت ليست مجرّد انفعال عابر،إنها فلسفة متكاملة،وموقف وجودي من الكون. ضحكته تختزل تحرّره من الخوف،وإدراكه أنّ الحياة ليست دينا يُستغفر منه،ولا ذنبا يُكفّر عنه، بل طاقة هائلة تتطلّب المواجهة لا الاستعطاف، والقبول لا التبرير.
إنها ضحكة الطفل الذي يرى الحقيقة عارية لأول مرة،فلا يفزع،بل يبهج.
ضحكة تنبع من وعي عميق بأن المأساة والعبثية لا يُقاومان بالبكاء،بل بالرقص على حافة الهاوية.
والمفارقة التاريخية العظمى أن نيتشه اختار زرادشت بالتحديد،ذلك الفارسيّ القديم الذي ابتكر ثنائية الخير والشر في الفلسفة الزرادشتية،ليكون لسان حاله في هدم هذه الثنائية ذاتها.إنه يستعير صوت مؤسّس الأخلاق ليهدم الأخلاق ذاتها، ويستخدم اسم من فرّق بين النور والظلمة ليعلن أن الخير والشر وجهان لعملة الحياة الواحدة،التي لا تُفهم إلا بتجاوز هذا الانقسام.
إنها أعلى درجات السخرية الفلسفية: النبي التاريخي يُستدعى من قبره ليدفن تعاليمه بيديه.
وإذن؟
زرادشت إذاً ليس شخصية روائية نقرأها ونتجاوزها،بل مرآة محدّبة تعكس خيارنا الوجودي الأصعب: إمّا الركود في شرنقة الأنا القديمة،في دفء القطيع وأمان التبعية،أو تجاوز الذات في مغامرة الخلق المستمرّ،حيث لا ضمانات ولا يقينيات،بل إرادة وقوة واحتمال.
زرادشت يضعنا أمام سؤال لا مفرّ منه: هل أنت مستعد لأن تكون خالق عالمك،أم ستبقى مخلوقا في عوالم الآخرين؟
ربما يكون سرّ خلود زرادشت أنه لا يقدم لنا خلاصا،بل يفضح وهم الخلاص ذاته.
 إنه النبي الذي يزيح الستارة عن خواء كل خطاب ديني أو أخلاقي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويكشف أن كل من يدعي امتلاك الحقيقة إنما يخفي وراء ادعائه رغبة في السلطة أو هروبا من الحرية. في ضحكته،لا يسخر فقط من عجز البشر، بل يعلن انتصار الحياة على كل ما يحاول قمعها وتحنيطها في قوالب جامدة.
وبينما تنهار الثنائيات القديمة (خير/شر،روح/جسد،سماء/أرض)، يبقى الإنسان وحيداً أمام مرآة زرادشت: إمّا أن يظل قطيعا يردد أصداء الماضي، أو يقفز فوق ظلّه ليصبح جسرا نحو إنسانه الأعلى.وهنا تكمن المأساة العظمى التي تركها نيتشه لنا: أننا أحرار،لكن حرّيتنا ثقيلة كجبل،وأن النبوّة الحقيقية ليست في الوحي،بل في الشجاعة على مواجهة الهاوية دون أن نطلب من أحد أن يمسك بأيدينا.
زرادشت إذاً ليس نبيّا نؤمن به،بل جرحا مفتوحا في جسد اليقين،يذكّرنا كل يوم بأن الحياة لا تُغتفر،بل تُعاش.إنه ليس خلاصا ننتظره،بل استفزاز دائم يهزّ كسلنا الفكري ويقلق راحتنا الوهمية. 
زرادشت هو الصوت الذي يهمس في آذاننا كل صباح: "قم،أنت وحدك المسؤول عن يومك ومعناك،والسماء التي تبحث عنها لن تمطر إلا إذا صنعت سحبها بيديك".
وهكذا،يبقى زرادشت لغزا لا ينفكّ يعاود الظهور كلما توهّمت البشرية أنها بلغت شاطئ الأمان،فيُعيدها إلى العراء،حيث الريح الباردة للحقيقة،وحيث لا مجد بلا مخاطرة،ولا حكمة بلا جُرح.إنه نبيّ العصور العارية،التي خلعت فيها الإنسانية أقنعتها المقدسة،لتقف عارية إلا من إرادتها،مذهولة أمام ذاتها،تسأل:هل أنا جدير بهذه الحرية؟!
وتبقى دعوته الكبرى صرخة في وجه كل من يبحث عن معنى جاهز: "لماذا تريدون معنىً يُمنح لكم؟! أليس العار أن تُعطى قيمةٌ دون أن تُخلق؟!أليس الأجدر بكم أن تتوهوا قليلاً،بل كثيراً،حتّى تعرفوا حجم أقدامكم واتساع دروبكم؟!" 
إنها النبوّة المضادّة التي لا تريح،بل تُتعب،لا تطمئن،بل تقلق،لا تعد بجنة،بل تكشف أن الجنة الحقيقية هي القدرة على خلق جنتك بنفسك،حتى لو كانت من نار.
وفي زمنٍ أضحت فيه النبوّات كلها مجرد سلع في سوق الاستهلاك الرمزي،يبقى زرادشت النبّي الوحيد الذي لا يُباع ولا يُشترى،لأنه لا يقدم منتوجا،بل يفضح آليات البيع والشراء ذاتها.
إنه النبيّ الذي يحررنا من النبوّة،والرسول الذي يخبرنا بأن الرسالة الوحيدة هي أننا نحن الرسالة،وأن ما تبقى من المقدّس في هذا العالم ليس إلا تلك القدرة الغامضة على أن نصنع من ترابنا نجوما،ومن هشاشتنا قوة،ومن موتنا حياة تليق بمن عرف أن يضحك في وجه العدم.
فهل آن الأوان لنصغي إلى ضحكته؟!

محمد المحسن



تعليقات