الشاعرة التونسية الواعدة أ-نعيمة المناعي: رحلة نحو "أنثى المرايا"
في فضاء الكلمات حيث يتشكل الوجود من حروف متوهجة،تستعد الشاعرة التونسية نعيمة المناعي لإطلاق ديوانها الأول بعنوان "أنثى المرايا".هذا العنوان وحده يحمل في طياته عوالم من الأسئلة والتأويلات،وكأنه نافذة تفتح على غابة من الرموز التي تتراقص بين الذات والآخر، بين الحقيقة والانعكاس.
العنوان يلمع كقطعة بلور في ضوء القمر،مقسّما إلى مفردتين تحملان حمولات فلسفية وجودية. "أنثى" تحمل في أحشائها تاريخا من الحكايات المكبوتة،والأسئلة المعلقة،والقوة المستعادة.أما "المرايا" فهي عوالم متوازية تعكس وتشوه وتكشف وتخفي.جمع المرايا هنا ليس صدفة،إنه تعدد،تشرذم،بحث عن الذات في كل انعكاس.
والسؤال الذي ينبت على حواشي الإبداع :
هل "أنثى المرايا" هي المرأة التي تتعدد في كل مرآة تنظر فيها؟ أم هي المرأة نفسها التي أصبحت مرآة تعكس آلام العالم وأحلامه؟ أم أنها المرآة التي اكتسبت أنوثتها،وصارت تنظر إلينا كما ننظر إليها..؟!
لا أرمي الورود جزافا إذا قلت أن الشاعرة الفذة أ-نعيمة المناعي لم تأت من فراغ.هي ابنة تونس، أرض ابن خلدون وأبي القاسم الشابي،أرض الثورات والنهضات والأسئلة الكبيرة.في شعرها، يمكن أن نتلمس هذا الميراث الحضاري الذي يتحاور مع الحداثة،والأنثوي الذي يبحث عن صوته في فضاء أدبي تاريخي.
شعرها-كما تشير العينات التي نشرتها في منابر ثقافية متعددة-يمزج بين الحساسية المرهفة والقوة الجارفة،بين التفاصيل اليومية والأسئلة الوجودية.إنها تكتب بجسد وذاكرة،بجرح وأمل، برؤية تنتمي إلى هذا العصر بكل تعقيداته.
وفي عصر الصورة الرقمية والهويات الافتراضية، حيث أصبحنا جميعا نسخا متعددة لأنفسنا،يأتي ديوان "أنثى المرايا" كاستعارة قوية لهذا الشرط الإنساني المعاصر.المرأة في هذا الديوان قد تكون رمزا للذات الإنسانية في بحثها عن حقيقتها وسط انعكاسات لا تحصى.
والمرايا في الثقافة العربية تحمل دلالات متناقضة: فهي رمز للغرور والانشغال بالمظهر، ولكنها أيضا أداة للمعرفة الذاتية،للوصول إلى الحقائق الخفية.وفي التراث الصوفي،المرآة ترمز إلى القلب المصقول الذي يعكس الحق الإلهي.
وهنا،لا يمكن فصل هذا الديوان عن سياقه التونسي.تونس التي عرفت أول انتفاضة في "الربيع العربي"،والتي تشهد مجتمعا في تحول عميق،تظهر في شعر -نعيمة-لا كخلفية فقط،بل كمساحة للأسئلة والتحديات.والمرأة التونسية تحديدا،بتراثها النضالي ومكاسبها القانونية وتحدياتها المجتمعية،قد تجد في "أنثى المرايا" صوتا يعبر عن تعقيدات وجودها.
ومع استعداد شاعرتنا السامقة أ-نعيمة المناعي لإصدار ديوانها الأول،ينتظر المتلقي العربي، وخصوصاً التونسي،هذا الصوت الجديد الذي يعد بأن يحمل رؤية خاصة.
ختاما أقول : "أنثى المرايا"-في تقديري-ليس مجرد عنوان،بل هو وعد بجولة في متاهة الهوية،بحث عن الذات في زمن التشظي،واستعادة للأنوثة كفضاء للقوة والإبداع لا كموقع للضحية.فعندما تفتح أولى صفحات هذا الديوان،سننظر مع الشاعرة في مراياها المتعددة،ربما لنرى وجوهنا فيها،ربما لنكتشف أننا أيضا،في عصرنا هذا،أصبحنا "أنثى المرايا" بكل ما تحمله الكلمة من ألم وجمال،تشظ ووحدة،خوف وشجاعة.
إنه استعداد للدخول في لعبة المرايا الشعرية، حيث الحقيقة ليست واحدة،والذات ليست بسيطة،والأنثى ليست صورة واحدة في مرآة واحدة،بل هي انعكاسات لا تحصى في مرايا لا تعد،تبحث عن نفسها في كل انكسار للضوء.
على سبيل الخاتمة :
في مسارها الشعري الواعد،لا بد أن ننحني احتراما أمام شجاعة الشاعرة التونسية الواعدة أ-نعيمة المناعي وهي تُخرج كلماتها من عتمة الذات إلى ضوء القارئ.إنها تضع روحها على صفحة بيضاء، وتوثق نبضها في حبر،في فعل ثقافي مقاوم لكل ما يشيء الإنسان ويُفقده جوهره التأملي.
سيري يا شاعرتنا المتميزة،على هذا الدرب المكلل بالأشواك والنجوم،فشعركِ هو البذرة التي ستغذي تربة ثقافتنا،والمرآة التي ستجعل الكثيرين يتعرفون على وجوههم الحقيقية لأول مرة. أمامكِ متاهة الإبداع الجميلة،فلا تترددي،واصلي. فالمتلقي ينتظر انعكاس روحكِ على صفحاته كي يتعلم النظر إلى نفسه من جديد.
مزيدا من العطاء،ومزيدا من الجرأة في قول ما لا يُقال.
متابعة محمد المحسن


تعليقات
إرسال تعليق