النقد الأدبي: من إبداع النص..إلى إبداع التأويل في زمن التحولات
منذ أن خط الإنسان أول كلمة،والأدب يرافقه كظلّه،يعبّر عن هواجسه وأحلامه،ويسجل تحولاته الكبرى.لكن هذا الإبداع لم يبق مجرد فعل تلقائي، بل استدعى معه وعيا آخر يتأمله،ويفكك شفراته، ويقيس مسافته من الجمال والحقيقة.هذا الوعي هو النقد الأدبي،ذلك الحوار الصامت الذي يدور بين المبدع ومتلقيه،أو بتعبير أدق،بين النص وعقول تقرؤه وتعيد إنتاجه.فإذا كان الأدب نبض الحياة،فإن النقد هو مرآة هذا النبض،التي تكشف عن خفاياه وتضعه في سياقه الإنساني والجمالي. وهنا تكمن أهمية المقاربة النقدية،ليس كحكم نهائي،بل كفعل تأويلي متجدد،يعيد للكلمات بريقها،ويجعل من القراءة مغامرة لا تنتهي.
وإذن ؟
لا أبالغ إذا،إن قلت إن الأدب هو الركيزة الأولى التي يقوم عليها النقد،فوجود الأدب يسبق وجود النقد ويستدعيه.الأدب هو فعل إبداعي خالص،بينما النقد هو تأمل هذا الفعل وإصدار حكم جمالي عليه.والأديب مطالب بأن يبدع عوالم جديدة بالكلمات،والناقد مطالب بأن يقرأ هذه العوالم بموضوعية ومنهجية،وأن يحول تأويله هو الآخر إلى نوع من الإبداع الفكري الموازي.
فالنقد الأدبي،في جوهره،هو عملية منهجية لتحليل وتفسير وتقييم العمل الأدبي.وهذه العملية تمر بأربع مراحل أساسية: تبدأ بالملاحظة (القراءة المتأنية لفهم المعنى العام)،ثم التحليل (تفكيك النص إلى عناصره الأساسية: اللغة،الصور، الشخصيات،البنية)،ثم التفسير (بحث العلاقات بين هذه العناصر للكشف عن الرؤية العميقة للمؤلف)،وأخيرا التقييم (إصدار حكم متكامل على قيمة النص الفنية والفكرية).
هذا التقييم ليس مجرد بحث عن عيوب،بل هو موازنة بين جوانب القوة والضعف في النص، استنادا إلى معايير نقدية راسخة.
إلا أن النقد الأدبي لا يخلو من الذاتية.فالعلاقة بين القارئ (الناقد) والنص هي علاقة تفاعلية.قد يرتاح قارئ لأسلوب معين أو فكرة ما،بينما يرفضها آخر. فما يعتبره ناقد جميلا ومبتكرا،قد يراه آخر تقليديا أو غير موفق.وتتسع هذه الفجوة عبر الزمن،فقد يمر نص أدبي دون أن يلاحظه أحد في عصره،ثم يعاد اكتشافه في زمن لاحق ويحظى بتقدير كبير.هذا ما يجعل قراءة الأدب وتأويله عملية معقدة وممتعة في آن،فالنص الأدبي الحقيقي يصبح مصدرا للتأمل والنقاش المفتوح، حيث يتنافس النقاد في تقديم قراءاتهم التي تستقي مشروعيتها إما من بنية النص الداخلية أو من السياقات المحيطة به.
وهذا التنوع في القراءات قاد إلى تحولات كبرى في تاريخ النقد الأدبي،خاصة في القرن العشرين، حيث انتقل الاهتمام من المؤلف (ما أراد قوله) إلى النص (ما يقوله النص بذاته)،ثم أخيرا إلى القارئ (كيف يتلقى النص).
هذا التطور أنتج مدارس نقدية متعددة ومتباينة. فنجد النقد البنيوي ومدرسة النقد الجديد يركزان حصريا على النص المغلق،ويستبعدان أي مرجعيات خارجية (تاريخية،نفسية،اجتماعية) عن المؤلف أو المجتمع.في المقابل،يرى النقد التفكيكي أن المعنى ليس نهائيا أبدا،وأن النص يحمل تناقضات تسمح بتأويلات لا نهائية،وأن القارئ هو من ينتج المعنى.ويحمل نقد استجابة القارئ رؤية قريبة،حيث يدرس كيف تشكل خلفيات القراء الأيديولوجية والثقافية استجاباتهم المختلفة للنص الواحد.وقد أدى هذا التعدد إلى ظهور نظريات أدبية كبرى تسعى إلى وضع أطر عامة لفهم العلاقة بين الإبداع والتلقي.
وفي خضم هذا المشهد العالمي المتطور،يبرز سؤال ملح حول موقع النقد الأدبي العربي الحديث.
إن المتتبع لمساره يلمس حالة من التقصير النسبي،ليس على مستوى الجهود الفردية المخلصة،بل على مستوى الفعالية الثقافية والتأثير الحضاري.فالنقد العربي مطالب بأن يكون جسرا للعبور بثقافتنا نحو الحداثة،وهذا يقتضي منه أن ينتج لا أن يستهلك،وأن يبدع لا أن ينقل. المطلوب منه أن يكون نبضا حيا في تفاعلات العالم،لا مجرد صدى بعيد لأصداء الآخرين.
ورغم هذا التحدي،لا يمكن إنكار بعض النجاحات التي تحققت،سواء في تحويل الاجتهادات الفردية إلى تيارات نقدية مؤثرة،أو في اقترابها الجريء من خصوصية التجربة الأدبية العربية.
ومع ذلك،يبقى المحك الحقيقي هو الفعالية الإجرائية: أي مدى نجاح المناهج النقدية في مقاربة النصوص الأدبية،ومدى قدرتها على تقديم قراءات متسقة ومقنعة وثرية.
ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل هو ظهور أصوات نقدية شابة جديدة "تنحت دربها في الصخر"، وتسعى،بوعي أو بغيره،إلى تحويل النقد العربي إلى حركة فكرية قومية شاملة وتخصصات نوعية دقيقة في آن.هذا الزخم،وإن كان بطيئا،ينبئ بإمكانية بلورة نظرية نقدية عربية أكثر شمولا وثباتا في المستقبل المنظور.
وخلاصة القول،إن العمل الإبداعي الحقيقي،أدبا كان أم نقداً،هو ذاك الذي يصوغ جدلية الماضي والحاضر والمستقبل في حوار عميق ومساءلة لا تنتهي.فكما أن الأدب الجدير بهذا الاسم هو من يستشرف المستقبل بجذوره الممتدة في الماضي، فإن النقد المنهجي المبدع هو من يؤمن بجدلية التطور التاريخي،ويتجاوز التضخم النرجسي والأحكام المسقطة ليشارك بفعالية في صناعة المعنى.
إن التقصير الملحوظ في النقد العربي الحديث لا يعود إلى النقاد كأفراد بقدر ما يعود إلى حالة النقد كحركة ثقافية،رغم ما شهدته من إشراقات خلاقة منذ فجر النهضة وإلى اليوم.وجوهر الطموح اليوم هو أن نعي أننا نعيش في عصر متغيرات كونية كاسحة تفرض علينا تحديات وجودية.إذ نحن اليوم على مفترق طرق حاسم: إما الانسحاق خارج مسار التاريخ،أو ولادة جديدة عبر "ثورة ثقافية" شاملة تعيد تصحيح المسار وتشركنا مجددا في صناعة العطاء الحضاري للعالم.
وما على النقد الأدبي،بصفته فكرا وفنا وعلما،إلا أن يكون في طليعة هذه الثورة،وأن يسجل حضوره الفعال كعلامة مضيئة في طريق التحول ومنعطف الانتقال.
وهكذا،يبقى النقد الأدبي توأم الإبداع،لا ينفصل عنه إلا ليعود إليه محملا بأسئلة الرؤية ومناهج التحليل.إنها علاقة جدلية لا تهدأ: الأدب يخلق العوالم،والنقد يعيد تشكيلها في مرايا الفكر،فيولد من هذا التمازج معنى ثالث أعمق وأوسع.فالنص الأدبي العظيم لا يكتمل إلا بقراءاته المتعددة، والنقد الخلاق لا يزدهر إلا في حضن نصوص تتسع للتأويل وتدعو إلى الحوار.وإذا كان المشهد النقدي العربي اليوم لا يزال يبحث عن توازنه بين استهلاك النظريات الجاهزة وابتكار أدواته الخاصة،فإن ذلك ليس قدرا محتوما،بل هو حالة عابرة في مسار التطور.فالنهضة النقدية الحقيقية تبدأ حين يتحول الناقد من شارح تابع إلى مفكر مشارك في صناعة الأسئلة الكبرى لعصره،وحين يصبح النقد مختبرا للأفكار،وفضاء لاختبار إمكانات اللغة والتخيل.وفي زمن التحولات الكونية المتسارعة،تظل مهمة النقد هي تفكيك الخطابات المسيطرة،وكشف الأنسجة الخفية للنصوص،وإعادة اكتشاف التراث بعيون الحداثة، دون خوف من التجريب أو وجل من المغامرة. فلعل النقد العربي المعاصر،إذا ما استجاب لتحديات اللحظة التاريخية،أن يخرج من شرنقة التردد ليصبح قوة اقتراحية قادرة على استشراف آفاق إبداعية جديدة،وليؤكد أن الفعل الثقافي الأصيل هو وحده القادر على صناعة الفارق في معادلة الوجود الحضاري.فكما أن لكل عصر أدبه، فإن لكل عصر نقده الذي يعبر عن همومه ويحلم بمستقبله.
وهكذا،يظل النقد الأدبي،في أعمق تجلياته،أكثر من مجرد حكم على جودة نص أو رفضه،إنه وعي الذات بذاتها عبر مرآة الآخر،وإنهاك للغة في حدودها القصوى بحثا عن المعنى.إنه الفضاء الرحب الذي تتصادم فيه القراءات،وتتصالح فيه التأويلات،وتتكسر على صخوره كل أحادية فكرية أو جمالية.فالنص الأدبي العظيم هو ذاك الذي يخرج من تحت أيدي نقاده أكثر ثراء وغموضا، وأشد إيحاء وإغراء،تماما كما تزداد الأسطورة قدسية بكثرة من يتلوها ويعيد صياغتها.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه النقد العربي اليوم لا يكمن فقط في استيعاب المناهج العالمية ومصطلحاتها، بل في قدرته على تجاوزها إلى خلق رؤية خاصة تنبع من خصوصية التجربة العربية، بكل تعقيداتها التراثية والمعاصرة.فالنقد الحقيقي هو الذي يستطيع أن يفكك النص من الداخل، وفي الوقت نفسه،يربطه بأسئلة الوجود الكبرى: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ ما الجمال في زمن العولمة والثورة الرقمية؟
إنه مطالب بأن يكون صوته مسموعا في المشهد الثقافي العالمي،ليس كشاهد،بل كمشارك فاعل في صناعة الأسئلة لا في استهلاك الأجوبة.
وخلاصة القول،إن العلاقة الجدلية بين الأدب والنقد هي علاقة خلق مستمر،لا تعرف الجمود ولا تقبل باليقين.فكلما أوشك النقد على الإمساك بالمعنى،إذا بالنص الأدبي يفلت منه،مطلقا إشارات جديدة،داعيا إلى قراءة مغايرة.وفي هذا الهروب الدائم،وفي هذا السعي الأبدي،تكمن متعة الأدب والنقد معا.إنهما معا يشكلان وعاء الذاكرة الحية للأمة،ومختبر رؤاها المستقبلية.وما النقد العربي اليوم،بكل ما يعانيه من إكراهات،إلا محاولة جادة للانتصار للحياة،عبر الانتصار للكلمة،والانتصار للجمال الذي هو وحده القادر على إنقاذ العالم،كما قال دستويفسكي من قبل.
محمد المحسن

تعليقات
إرسال تعليق