الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة "متى يطرق الربيع بابي" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي الشاعر الناقد محمد المحسن
الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة "متى يطرق الربيع بابي" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي
متى يطرقُ الربيعُ بابي
متى يطرقُ الربيعُ بابي
ولا يكونُ مجرّدَ فصلٍ
بل وعدًا يُعادُ من يدِ الغياب؟
متى تُزهِرُ يرقاتُ الغيابِ
فتصيرُ فراشاتِ
وتتعلّمُ الذاكرةُ
كيف تخلعُ سوادَها
دون أن تخونَ الفقد؟
وتُطرِّزُ، يا أبي،
خَرَزَ الأماني
على صدرِ أيّامي المُنهكة،
كما كُنّا
حين كان الزمنُ
يمشي حافيًا بيننا
ولا يعرفُ الفِراق.
حين انشقّتِ السماءُ
لا مطرًا
بل اتّساعًا،
ولوّحَ الطيرُ بجناحِه
كأنّه يُعلّمُنا أن الرحيلَ
ليس نقيضَ الحب،
وكان الربيعُ يعانقُ نبضي الفتيّ
قبل أن يتعلّمَ القلبُ فنَّ الانتظار.
ما أزالُ، يا أبي،
أقيمُ على تخومِ الدعاءِ،
أعدُّ الغيابَ نجمةً نجمة،
وأصدّقُ أن من رحلوا
لا يبتعدون…
بل يصيرونَ في أعماقنا.
طاهر مشي
في هذا النسيج الشعري المترع بأنفاس الحنين وأصوات الفراغ،يطل "متى يطرق الربيع بابي" ليس سؤالا زمانيا عن موسم يلي الشتاء،بل استعارة مركبة للغياب الذي يتحول إلى حضور داخلي لا يلمس إلا بالقلق الوجداني.فالربيع هنا ليس حدثا طبيعيا،بل "وعدا يعاد من يد الغياب"، كأن الغياب نفسه يتحول إلى حضور مؤلم،حاملا معه إمكانية العودة التي تظل معلقة بين اليقين والاستحالة.وهذا الانزياح الدلالي من المفهوم الموسمي إلى المفهوم الوجودي يشكل النواة التي تدور حولها القصيدة،حيث يتحول الانتظار من فعل سلبي إلى فضاء خلاق تعيد فيه الذاكرة صياغة علاقتها مع الفقد.
تتجسد هذه العلاقة في تحول "يرقات الغياب" إلى "فراشات"،وهي صورة تحتفي بالتحول الجذري من كينونة زاحفة مظلمة إلى كائن مجنح يطلق في الفضاء.لكن الشاعر ( د-طاهر مشي) لا يطلب تحولا يمحو الألم،بل تحولا يحفظ الأمانة للغياب: "كيف تخلع سوادها دون أن تخون الفقد؟".إنها معضلة الذاكرة الخلاقة: كيف تعيد تشكيل الماضي دون أن تخونه؟! كيف تحول الحزن إلى جمال دون أن تزيف الحقيقة؟!
هذا السؤال يحرك الصورة المركزية في القصيدة، حيث تطرز "خرز الأماني"على صدر الأيام المنهكة، كأن الحنين يصير عملا فنيا يلبس الزمن المتعب حلة من الجمال الواقي.
ثم تأتي الذكرى كحيز زمني معلق خارج قوانين الفراق: "حين كان الزمن يمشي حافيا بيننا ولا يعرف الفراق". الحفاء هنا ليس علامة الإملاق،بل علامة الصدق والاتصال العاري باللحظة،حيث لا حواجز بين الأرواح.وهذه البراءة الزمنية تعزز بانزياح آخر: "حين انشقت السماء لا مطرا بل اتساعا"،فالسماء لا تمطر ماء بل فضاء رحبا، والطير يلوح بجناحه معلما أن "الرحيل ليس نقيض الحب".
هذا التعليم يقلب المنطق العاطفي التقليدي، فالحب لا ينتهي بالرحيل،بل يتحول إلى شكل آخر من الوجود،كالربيع الذي "يعانق نبضي الفتي قبل أن يتعلم القلب فن الانتظار".العناق هنا سابق على التعلم،كأن الحب الأصلي كان بريئا من توقع الغياب،وهذا ما يجعله أقوى من كل انتظار.
وتصل القصيدة إلى ذروتها التأملية في المقطع الأخير،حيث يتحول الغياب إلى فلك داخلي: "اعد الغياب نجمة نجمة".فالغياب لم يعد فراغا،بل مجموعة أنوار تعد وترتب في سماء الذات.
و الإيمان هنا بأن "من رحلوا لا يبتعدون..بل يصيرون في اعماقنا" هو خلاصة الرؤية الشعرية: الغياب تحول من الحضور الجسدي إلى الحضور الجوهراني،من الوجود في المكان إلى الوجود في المعنى.والغائبون يصيرون جزءا من اعماقنا، كالنجوم التي نراها من بعيد لكن نورها يخترق الظلمة ويصل الينا.
وفي الختام،بعد هذا الغوص في طبقات القصيدة، لا يسعني إلا أن اؤكد أن مقاربتي حاولت أن تظل وفية لنسيج النص الشعري دون أن تفرض عليه تأويلا مسبقا،وأن تتعقب خيوطه الدلالية والصورية بمنطق يرفض المجاملة والمحاباة. فجمال القصيدة لا يحتاج إلى اضافات خارجية، بل يكفي أن اسلط الضوء على آليات اشتغالها الداخلي،حيث يحول الشاعر الغياب إلى لغة تتعلم كيف تخلع سوادها دون خيانة،وكيف تطرز على صدر الزمن المنهك خرز أمل يكون في الوقت نفسه اقرارا بالالم واعادة ابتكار للحب.
وهذا التوازن بين الالم والامل،بين الفقد والحضور،هو ما يجعل من القصيدة فضاء شعريا مكتملا،يعيد تعريف الربيع ليس كموسم عابر،بل كوعد دائم يعاد من يد الغياب نفسه.
على سبيل الخاتمة :
تتجسد عبقرية هذه القصيدة في قدرتها على تحويل الجرح الشخصي إلى فضاء كوني،حيث يصبح ألم الفقد الإنساني رحلة استكشاف نحو أغوار الوجود.لقد استطاع الشاعر التونسي الكبير د. طاهر مشي أن يحوّل رحيل الوالد-ذلك الحدث الجلل الذي ترك أثرا عميقا وموجعاً في وجدانه- إلى مناسبة تأملية تلامس أعمق طبقات الوعي الإنساني أمام سؤال الفقد والغياب.
ولعل هذا الأثر الوجداني المؤلم يتحول تحت أنامل الشاعر إلى مادة خام للخلق الشعري،فنجد أن غياب الأب ليس مجرد فراغ،بل يصير حضورا جوهريا يطرح أسئلة وجودية حول طبيعة الزمن والذاكرة والحب.وهذا ما يبرز طبيعة الشعراء المرهفي الحساسية،شديدي الاستثارة،الذين لا يمرّ ألمهم مرور الضيوف العابرين،بل يستقر في أعماقهم فيغدو مصدر إبداع وانزياح دلالي،حيث تتحول الدموع إلى كلمات،والكلمات بدورها تعود لتقع في القلب كندى يروي جنبات الوحشة.
واللافت أن الشاعر التونسي المتمرس د-طاهر مشي-رغم حِدّة الخسارة وقسوتها-لم يسقط في فخّ البلاغة الجوفاء أو العويل العاطفي المباشر، بل أمسك بتلابيب الألم ورفعه إلى مصاف الفن الرفيع.إنه قادر،كما أشرت،على "مسح دموعه بالكلمات التي تخرج من القلب لتقع فيه"، في عملية تحويلية فذة حيث يصير الحزن مادة جمالية،والغيباب مصدر إشراق،والانتظار فنا يتعلمه القلب.
لقد نجح الشاعر في أن يجعل من قصيدته مرآة تعكس ذلك التوازن الدقيق بين صدق التجربة الشخصية المؤثرة وعمق الرؤية الفلسفية،بين حرارة الفقد وبرودة التأمل،بين سواد الغياب ونور الذكرى.فتحولت القصيدة إلى فضاء كامل،يثبت أن الشعر الحقيقي هو ذلك القادر على احتضان التناقضات الإنسانية دون أن يخونها،وإضاءة أعماق الفقد دون أن ينكر ألمه،والاحتفاء بالحضور الغائب كحقيقة وجدانية تعلو على محدودية الزمان والمكان.وهكذا،يبقى هذا النص الشعري شاهدا على أن الفن الرفيع يمكنه أن يكون ملجأً وخلاصا،ومحاولة مستمرة لإعادة خلق العالم من بين أنقاض الغياب.
محمد المحسن


تعليقات
إرسال تعليق