صدمة الكسوة المقدسة في "عرين"إبستين: قراءة في الأزمة الأخلاقية المزدوجة متابعه الشاعر الناقد محمد المحسن


صدمة الكسوة المقدسة في "عرين"إبستين: قراءة في الأزمة الأخلاقية المزدوجة
في قلب الفضيحة التي هزت ضمير العالم،حيث تناثرت من ملفات جيفري إبستين أسماء نافذة ووقائع مروعة،برزت تفصيلة صادمة لم تكن متوقعة.!
لم تكن مجرد ادعاءات جديدة أو ضحايا جدد،بل كانت قطعة من نسيج مقدس،من كسوة الكعبة المشرفة،عثر عليها ضمن ممتلكات رجل ارتبط اسمه بأبشع أشكال الانحطاط الجنسي واستغلال القاصرات.هذا الاكتشاف لم يكن عابرا،لقد مثل صدمة روحية عميقة للمسلمين،ووضع مرآة أمام عالمين: عالم غربي يرفع شعارات حقوق الإنسان بينما تغوص نخبه في وحول الفضائح،وعالم إسلامي منشغل بخلافاته الداخلية بينما تُستباح مقدساته.إنها قصة تكشف عن أزمة أخلاقية مزدوجة،وانهيار للحدود بين المقدس والدنيوي، وبين القيم المعلنة والممارسات الخفية.
- رحلة الكسوة من الحرم إلى "العرين" :
وفقا لوثائق وزارة العدل الأمريكية التي أفرج عنها،تكشف مراسلات إلكترونية من عام 2017عن عملية شحن مُحكمة التنسيق.إذ تم شحن ثلاث قطع من القماش الأسود المطرز بالذهب الذي يكسو الكعبة-وهو أقدس موقع في الإسلام-من السعودية إلى منزل إبستين في فلوريدا عبر الخطوط الجوية البريطانية.ولم تكن هذه أي قطع عادية،إذ تضمنت الشحنة قطعة من الكسوة الداخلية للكعبة،وأخرى من الغطاء الخارجي الذي لمسه ملايين الحجاج،وثالثة صُنعت من المواد نفسها لكنها لم تُستخدم بعد.والأكثر إيلاما هو ما أوضحته سيدة الأعمال الإماراتية (عزيزة الأحمدي) في مراسلاتها لإبستين،حيث وصفت القطعة الخارجية بأنها "لامسها ما لا يقل عن 10 ملايين مسلم من مختلف المذاهب"الذين وضعوا عليها "صلواتهم وأمنياتهم ودموعهم وآمالهم".!
إن وصول هذا الرمز الروحي العميق،الحامل لملايين الدعوات والأمنيات،إلى عتبة رجل مثل إبستين،يمثل انتهاكا مزدوجا: انتهاكا لقداسة دينية،وانتهاكا لكرامة الضحايا الذين استُغلوا في جزيرته الخاصة التي وصفت بأنها كانت قاعدة لعمليات الاتجار الجنسي.
-انهيار السردية الأخلاقية الغربية:
قضية إبستين ليست شأنا فرديا،بل هي اختراق عميق للرواية التي بنى عليها الغرب الحديث صورته الذاتية.لقد قدم المشروع الحداثي الغربي نفسه للعالم بوجهه الأخلاقي أولا،مؤسسا على فلسفات جون لوك في الحقوق الطبيعية،وكانط في كرامة الإنسان كغاية،وميل في الحرية شرطا لازدهار الحقيقة.وتحولت هذه الفلسفات إلى ثقافة عامة وشعارات مثل "لا أحد فوق القانون".!
لكن فضيحة إبستين،التي استمرت لعقود أمام أعين الأجهزة الرقابية،كشفت عن شرخ هائل في هذه السردية.لقد تحولت الصدمة من مجرد فضيحة أخلاقية إلى "صدمة سردية"،كما يصفها محللون،حيث وجد الجمهور نفسه أمام وقائع لا تنسجم مع الحكاية الجاهزة عن عالم تحكمه مؤسسات شفافة.
الفيلسوفة حنة آرندت تنبه إلى أن الخطر الأكبر ليس الكذب،بل "اللامبالاة تجاه الحقيقة".!
هذا ما تجسده الفضيحة: نظاما يحافظ على لغته القيمية بينما يفقد قدرته على إقناع جمهوره بها، منتجا ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان "اللايقين الأخلاقي".
-تشابك الخطوط: من التصور الاستشراقي إلى الشبكات السياسية :
لم تكن علاقة إبستين بالعالم الشرقي مقتصرة على قطعة الكسوة.إذ تكشف ملفاته عن افتتان مريب بمفهوم "الحريم" بصورته الاستشراقية المشوهة.فكلمة "Harem" العربية التي تعني حَرَما (مكانا محميا ومحظورا) تحولت في الخيال الغربي إلى صورة لبغاء شرقي استيهامي.إبستين، الذي كان مهووسا ببناء "حريم" خاص،أعطى إحدى ضحاياه كتبا بالإنجليزية والعربية لشرح المفهوم لهن،وعبّر عن طموحه ببناء هيكل يشبه قصر الحمراء في إسبانيا أو قصر توبكابي في إسطنبول لإيواء نسائه.هذا الافتتان بالمفاهيم المشوهة للشرق يقابله انغماس في صميم السياسة الغربية.وتكشف المراسلات عن علاقته الوثيقة بستيف بانون،المستشار السابق لترامب، حيث تبادل الاثنان سخرية من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وتهليلا لصعود الأحزاب اليمينية الشعبوية في أوروبا.كما تشير مذكرة لاحقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) إلى أن إبستين عمل مع أجهزة استخبارات أمريكية وإسرائيلية وتدرب تحت إشراف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك.هذه التشابكات ترسم صورة لشبكة نفوذ تستخدم المال والعلاقات لاختراق كل المجالات،من السياسة إلى الاستخبارات،من دون اعتبار للأخلاق أو القانون.
والسؤال المهمّش: أين مسؤولية العالم الإسلامي والنخب العربية..؟!
في وسط هذه العاصفة،يبرز سؤال محرج للمجتمع الإسلامي: كيف أمكن لمقدس بهذه الحساسية أن يجد طريقه خارج دائرة حراسته الرسمية؟! العملية برمتها،كما تظهر الوثائق،تمت بتنسيق محكم شمل فواتير وإجراءات جمركية،مما يشير إلى معرفة وموافقة ضمنية من أطراف معنية. سيدة الأعمال الإماراتية التي أرسلت القطع لم تكن شخصية مجهولة،بل كانت على اتصال مباشر مع مساعدي إبستين،وتبادلوا الهدايا والرسائل،بل وأرسلت له مجموعة لفحص الحمض النووي (DNA) من دون تفسير واضح للغرض.هذا يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر عن طبيعة العلاقات بين بعض النخب العربية وأقطاب الفساد العالمي.
هل كان الأمر مجرد تبادل هدايا بين "نخب"؟ أم محاولة لكسب نفوذ أو استعراض قدرة على الوصول إلى ما لا يصل إليه الآخرون؟!
الغياب شبه الكامل لتحقيق مؤسسي جاد من الجهات الرسمية الدينية في العالم الإسلامي، والاكتفاء بردود الفعل الغاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي،يكرس حالة من "السبات" التي يتحدث عنها النقاد.فبينما تُهدر الطاقات في خلافات داخلية،تُستباح المقدسات تحت سمع الجميع وبصرهم.
وهنا أختم :
حادثة كسوة الكعبة في "عرين" إبستين ليست نقطة في بحر الفضيحة،بل هي مركز دلالي هائل. إنها تكثف المأساة كلها: اصطدام عالم القيم المقدسة بعالم النفوذ الفاسد،واصطدام براءة الضحايا بانحطاط الجناة.هذه القطعة من القماش الأسود،التي حملت أحلام ملايين المظلومين والمتضررين الذين طافوا بالكعبة متوسلين إلى الله،انتهى بها المطاف في ممتلكات رجل كان سببا مباشرا في تحطيم أحلام آلاف الفتيات القاصرات. وفي هذه المفارقة السوداوية تكمن الرسالة الأعمق.
ولهذه ابحادثة درسان مركبان،الأول للغرب: فالتقدم التكنولوجي والرفاه المادي ليسا بديلا عن التقدم الأخلاقي.لقد حذر الفلاسفة الناقدون مثل هوركهايمر وأدورنو من تحول التنوير إلى "عقل أداتي" يختزل القيم في النفع والسيطرة.وإبستين وشركاؤه هم التجسيد الحي لهذا التحذير،حيث تحولت القيم إلى شعارات جوفاء لتلميع الصورة وترسيخ النفوذ.أما النظام الذي يدعي أنه يصحح نفسه من الداخل أثبت عجزه عن مواجهة فساد متجذر في صلب شبكاته.
والدرس الثاني للمسلمين والعالم العربي: فالحماية الحقيقية للمقدسات لا تكون بالخطابات الانفعالية، بل باليقظة المؤسسية والمساءلة والشفافية.إذ كيف يمكن المطالبة باحترام رموزنا الدينية من الخارج إذا كنا نفرط بها من الداخل؟!
كيف نصدق خطابا دينيا يركز على نقاء المقدس وهو يتغافل عن القنوات التي يسلكها هذا المقدس إلى أسواق النفوذ والهدايا المشبوهة؟!
في النهاية،هذه الحادثة هي اختبار لضمير الإنسانية.إنها تساؤل عن معنى التقدّس في عالم اختلطت فيه القيم.فإما أن تبقى تلك القطعة السوداء في ملفات إبستين مجرد غنيمة في متحف انحراف إنساني،وإما أن تتحول إلى صرخة توقظ الضمائر: صرخة ضد ازدواجية المعايير، وضد تحول القيم إلى سلعة،وضد الصمت المطبق أمام انتهاك الكرامة الإنسانية سواء تحت قبة الكعبة أو تحت سماء جزيرة صغيرة في الكاريبي. والصحوة المطلوبة ليست صحوة دينية فحسب،بل هي صحوة أخلاقية شاملة،تعيد تعريف القداسة ليس بقداسة الحجر والقماش،بل بقداسة الإنسان وكرامته التي انتهكت هنا وهناك، في الشرق والغرب على السواء.!

متابعة محمد المحسن


تعليقات