فيلم "كادوريم" الوثائقي: "I am k2" "الجمال السينمائي" وحقائق التاريخ : هل يمكن للفن تبييض وجوه الأنظمة..؟! بقلم الناقد محمد المحسن

حول فيلم "كادوريم" الوثائقي: "I am k2"
"الجمال السينمائي" وحقائق التاريخ : هل يمكن للفن تبييض وجوه الأنظمة..؟!

تصدير :
حين يُقدّم الفن على أنه وثيقة تاريخية،بينما هو في الواقع يعمل كأداة لـ"إدارة الوعي" وتوجيه الذاكرة،فإنه لا يخون مهنته فحسب،بل يخون الجمهور والشعب الذي يملك حق المعرفة الكاملة. فالذاكرة الوطنية ليست ملكا لأحد يمكن إعادة رسمها،بل هي تراكم تراجعي للأفراح والآلام، للانتصارات والأخطاء،وللفساد والمقاومة..

في فيلم "كادوريم" الوثائقي،يقدم صناعه عملا بصريا متفانيا من الناحية التقنية،إذ يتميز بإنتاج فاخر وإخراج سينمائي رفيع.لكن هذا القناع الجمالي يخفي وراءه رواية انتقائية تهمش حقائق أساسية.فالفيلم يتجنب عمدا التطرق إلى شخصيات محورية مثيرة للجدل،مثل ليلى بن علي،كما يركز على سردية عاطفية للأسرة من منظور الابنة نسرين،متجاوزا الأسئلة الوطنية المصيرية حول الفساد المالي وهروب الثروات والاستحواذ على المال العام.وهكذا،يصبح العمل محاولة لإعادة صياغة الذاكرة وتوجيه الوعي عبر بوابة الفن،في وقت لا تزال فيه أسئلة المحاسبة والمكاشفة عالقة في ضمير الشعب التونسي.
يكشف هذا الوثائقي،في جوهره،عن الصراع الأبدي بين سلطة السرد الفني وسلطة الحقيقة التاريخية.فالفن العظيم،عندما يلتقي بالتاريخ،لا يكتفي بتزيين الذاكرة أو تقديم رواية أحادية الجانب،بل يتشرب مسؤولية تعريية الأبعاد الإنسانية المعقدة ومواجهة الحقائق مهما كانت مريرتها.هنا،يصبح الجمال التقني في الفيلم إطارا ذهبيا لوضع صورة مشوهة،حيث يتحول الإبهار البصري إلى أداة لتغليف صمت مطبق عن جراح جماعية لم تندمل..!
إن محاولة اختزال تاريخ أمة في دموع عائلة أو في سردية الضحية،هي إهدار لكرامة شعب عانى وتحدى.فالذاكرة الوطنية ليست ملكا لأفراد،ولا هي مادة قابلة للقص واللصق وفق الهوى،إنها نسيج حي من الآلام والآمال،من الانكسارات والانتصارات،ومن الأسئلة التي ترفض الغموض والمواربة.وأي محاولة للمصالحة أو غفران يجب أن تُبنى على ركيزة غير قابلة للمساومة: الاعتراف الكامل بالحقائق،والكشف عن كل المخفي،ورد الاعتبار أولا لأولئك الذين سُلبت كرامتهم وثروات بلادهم.بدون ذلك،يبقى الفن مجرد أداة لتجميل الواقع،وتظل الحقيقة تنتظر روائيا شجاعا يليق بجسارتها.
لذلك،فإن الطريق الوحيد لأي مصالحة حقيقية مع الماضي-في تونس أو أي مجتمع عانى من استبداد -لا يمر عبر الاستديوهات المغلقة بكاميرات عالية الدقة،بل يمر عبر الفضاء العام المفتوح،حيث تُطرح الأسئلة المحرجة،وتُكشف الوثائق،ويُحاسب المسؤولون،وتُرد الممتلكات المغتصبة.والفن الجدير بالاحترام هو الذي يسلط الضوء على هذه المساحات المظلمة،لا الذي يزين جدرانها.
في النهاية،يذكرنا هذا " الفيلم الوثائقي" بأن جمال الصورة لا يكفي لشفاء جراح الأمة.والتاريخ لا يُكتب بدموع الأبناء،بل بدماء الضحايا وصبر الناجين وإصرار الشعوب على العدالة.
ختاما،يضعنا "هذا الفيلم"أمام سؤال جوهري : ما هو دور الفن-خاصة السينما الوثائقية-في كتابة التاريخ؟ هل هو مرآة تعكس الحقائق بشجاعة،أم فرشاة لتجميل الذاكرة الجماعية؟!
يبدو أن الفيلم،رغم إتقانه التقني،وقع في فخ تحويل التاريخ إلى "سردية انتقائية"،حيث يُسلّط الضوء على الجوانب الإنسانية والعاطفية بينما تُدفن الحقائق الاقتصادية والسياسية الأكثر إيلاما تحت سجادة من الصمت.
والسؤال الآخر الذي يبقى معلقا في الهواء: هل يمكن للفن أن يكون جسرًا للمصالحة؟!..
نعم،لكن شريطة أن لا يكون الجسر مبنيا على كتم الحقائق،بل على الاعتراف بها.فقط عندها يصبح الفن شريكا في بناء مستقبل أكثر صدقا،لا مساهما في تشويه ماضي كان ثقيلا بما فيه الكفاية..تنوء بحمله الجبال..
ويظل فيلم "كادوريم" I am k2" شاهدا مزدوجًا: شاهدا على براعة فنية قادر على صياغة الجمال،وشاهدا على الخطر الدفين حين تُختطف هذه البراعة لخدمة سردٍ منقوص.فهو،في تحفته البصرية،يقدم درسا مريرا: أن الإتقان التقني ليس ضمانا للحقيقة،بل قد يصبح أحيانا أبهى حجاب لها.ويكشف لنا العمل أن الصراع الحقيقي ليس بين الجمال والقبح،بل بين الرواية المريحة والذاكرة المؤلمة،بين الصورة المُلوّنة والوثيقة العارية.
هنا،يرتفع السؤال من مجرد نقد فيلم إلى مساءلة وجودية لدور المبدع في مجتمعات ما بعد الصدمة.فالفن الذي يتهرب من مواجهة الجروح الجماعية تحت ذريعة التركيز على "الإنساني" أو "العاطفي"،يخون في الحقيقة جوهرَه الإنساني الأعمق،الذي يقوم على التعاطف مع المجموع لا مع النخبة،وعلى تفكيك أسباب المعاناة لا استعراض نتائجها.إنه يغذي وهم المصالحة السهلة،بينما تُبنى المصالحة الحقيقية على عظام الحقائق الصلبة،لا على رمال السرديات الانتقائية.!
لذا،فإن الرسالة الأعمق التي تتركنا معها هذه التجربة السينمائية هي تحذير صارخ: أن الذاكرة الجمعية أمانة.وأي محاولة لتشكيلها عبر الفن، دون أخلاقيات المساءلة والشمول،هي ضرب من التزييف التاريخي وانتقاص من كرامة من عانوا. والمستقبل الوحيد الذي يمكن أن يبنيه فن جدير بالاسم هو مستقبل يُسلم مفاتيحه للحقيقة أولًا. عندها فقط،يمكن للجمال أن يصبح شفاء لا تخديرا،وجسرا للمستقبل لا سدّا على ماضي لم يُفهم بعد.!
وأرجو..أن يستسيغ : كادوريم" رسالتي جيدا..وأن لا يخرجها عن سياقها الموضوعي..

محمد المحسن



تعليقات