إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الأمم والرسالات تحتاج إلى المعادن المذخورة، والثروات المنشورة، ولكنها تحتاج قبل ذلك إلى الرؤوس المفكرة التي تستغلها، والقلوب الكبيرة التي ترعاها والعزائم القوية التي تنفذها إنها تحتاج إلى الرجال، فأيها المسلمون لرجل أعز من كل معدن نفيس وأغلى من كل جوهر ثمين، ولذلك كان وجوده عزيزا في دنيا الناس، حتى قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة" رواه البخاري، والرجل الكفء الصالح هوعماد الرسالات، ومحور الإصلاح أعدّ ما شئت من معامل السلاح والذخيرة، فلن تقتل الأسلحة إلا بالرجل المحارب، وضع ماشئت من مناهج للتعليم والتربية فلن يقوم المنهج إلا بالرجل الذي يقوم بتدريسه، وأنشئ ما شئت من لجان فلن تنجز مشروعا إذا حُرمت الرجل الغيور، ذلك ما يقوله الواقع الذي لا ريب فيه.
وإن القوة ليست بحد السلاح بقدر ما هي في قلب الجندي، والتربية ليست في صفحات الكتاب بقدرما هي في روح المعلم، فلله ما أحكم عمر حين لم يتمن فضة ولا ذهبا، ولا لؤلؤا ولا جوهرا، ولكنه تمنى رجالا من الطراز الممتاز الذين تتفتح على أيديهم كنوزالأرض، وأبواب السماء، وإن إتحاد المؤمنين حول قضية الإمام المهدي هو سبب مباشر لتعجيل الظهور، وليس المطلوب مجرد الاتحاد العقائدي، لأن ذلك حاصل منذ زمن بعيد، وإنما المطلوب هو الاتحاد على المستوى العملي، وعندما نتحدث عن اتحاد، فهذا يعني أنهم كالجسد الواحد الذي له رأس واحد يديره ويقوده، هذا الرأس الذي عبرت عنه مكاتبته، وينبغي أن يكون هم المؤمنين تطبيق أحكام الله تعالى والتمسك بطاعته، فالإمام الصادق يتحدث بشكل واضح أن حفيده المهدي المنتظر ما يخرج إلا في أولي قوة، والقوة لها جانبان.
قوة مادية تأتي من خلال التجهيز والاستعداد والتدرب، وقوة في القلب والإرادة، وهذه تنتج من الثبات أمام الابتلاءات، وهناك رواية تصفهم إن قلب رجل منهم أشد من زبر الحديد لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت، لا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله تعالي، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في حديث طويل عندما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أوصيائه، فعدّهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قال "ومن بعده، أي بعد الحسن العسكري، ابنه محمد، يدعى بالمهدي والقائم والحجة، فيغيب ثم يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبته أولئك الذين وصفهم الله في كتابه" ولا شك أن زمن الغيبة زمن ابتلاءات وامتحانات صعبة تحتاج للكثير من الثبات والصبر.
وهذا ما أكدت عليه الروايات أيضا، ففي الرواية عن الإمام الحسين رضي الله عنه "أما أن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" وأما بعد ظهور الإمام المهدي فسيكون ظهوره بين أصحاب لهم صفاتهم الخاصة ومن هذه الصفات الاستعداد والجهوزية، فالأمة المعدودة هم أصحاب المهدي في آخر الزمان ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا كعدة أهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة كما يجتمع قزع الخريف ويتميز أصحاب الإمام الحجة بارتباطهم بالله سبحانه وتعالى وعبادتهم له وتهجدهم في الليل، وقد ورد في الحديث "رجال لا ينامون الليل لهم دوي كدوي النحل، يبيتون قياما على أطرافهم ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وهم من خشية الله مشفقون" وإن الارتباط بالإمام الحجة المهدي ليس مجرد ارتباط بفكرة عقيدية غيبية.
بل بإنسان كامل حي جسدا وروحا يعيش بيننا يرانا ونراه يعرفنا ولا نعرفه يسددنا ويوجهنا بفضل الله وبأمر الله إلى حيث مصلحتنا ومصلحة الأمة وقد جعله الله تعالي أنه إمام الإنس والجن بل إمام الكون وقوامه، فلولا فضل الله ورحمته ثم وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها، فهو أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء كما ورد في الأحاديث المأثورة عنهم.

تعليقات
إرسال تعليق