الشاعر الناقد محمد المحسن وحديث عن زخات المطر

دموع..تحت زخات المطر
تصدير : في الحياة قد تخسر حلما،وقد تفقد أملا..وقد تتنازل عن أمنية..لكن كن حريصا ألا تخسر نفسك..

" كنت أُحبُّ الشتاء..وأسمعه قطرة قطرة
مطر مطر كنداءٍ يُزَفَ إلى العاشق
أُهطلْ على جسدي
لم يكن في الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر
كان البدايةَ كان الرجاءَ
فماذا سأفعل والعمر يسقط كالشَّعْر
ماذا سأفعل هذا الشتاء..؟!"
محمود درويش.

مرّ غيم الموت،ولم يمرّ جوع الأرض..ظلّ جاثما على الرقاب..إبني كذلك لم يمت..ظلّ يرتّل صلواته جهرا وأنا أسمعها كلّما مرّت رياح الجنوب بحذوي..ظلاله مازالت ممتدة من الجغرافيا إلى ارتعاشات القلب..مازالت هنا على عتبات الرّوح مثل رفّ جناح..
إنها تمطر الآن..وعيني يرشح منها على الصمت ماء..
أحاول في هذا المساء الشتائي أن أتطهّرْ من أدرانك يا أمنا الدنيا..وأفعم قلبي ببهجة لم تزرني منذ زمن بعيد..بهجة تعيد لي فرحي الطفولي وتمسح من على خدي النحاسي..ترسبات السنين العجاف،وقهر الليالي العاصفات..
إنها تمطر الآن والكون يلفظ أنفاسه المتسربله بأحلام المكلومين في زمن المواجع،وتمسح الشمس بكل لطف على جبين الأرض،وتخفض اشتعالها.لكن القلب لا يزال مشتعلا شوقا لفتى توارى خلف غيومك يا مطر..
أحتاج الآن..وهنا تحت زخات المطر إبني بكل ما في النّفس من شجن وحيرة وغضب عاصف..أحتاجه لألعن في حضرة عينيه المفعمتين بالآسى غلمانا أكلوا من جرابي وشربوا من كأسي واستظلّوا بظلّي عند لفح الهجير..لم أبخل عليهم بشيء وعلّمتهم الرماية والغواية والشدو البهي..
واليوم تحلّقوا في كل بؤرة وحضيض لينهشوا لحمي وحروف إسمي..
سأحاول أن أنبجس من ذاتي إلى ذاتي،وأدوّن معاناة بني البشر أجمعين،وما ذررفوه من دموع في نهر الأبدية..
مازلت أحاول جاهدا إعتلاء عرش المحبّة والدّعاء..أجاهد كي أتدرّج بتقوايَ من مقام الدهشة الأولى إلى الإشراق في آيات الله وأهمّ بالنجوى،حديث الرّوح في أسفاره الكبرى،حصى التسبيح.
ها أنّي أسبّح،لكنّ أسماء اللّه لا تعدّ..
"وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ"(البقرة: 123)
وتظل خشية الله المصدر الأنبل والأرقى للتماسك والسلام مع النّفس على هذه اليابسة المزدحمة..
في الرجوع الكبير إلى البدايات،في الذهاب الكبير إلى مهرجان اللغة،شيء من الصوفية المنفلتة من العقال..في الرجوع المربك إلى الوراء هنالك شيء من المحاججة العنيفة للذات وجلدها بقسوة..في الإنفلات من عقال الأزمنة الفاسدة هنالك شيء من التحرير والإقتراب الجليل من الله..
وها أنا..من الله قريب
وهاهي السماء تبكي بدموع حارقة..تحز شغاف القلب..
وفي هذا الصَّباح المُتلوِّن بضباب الذكريات،حيث تذوب السماء في هيامها الأرضي،أجدني أغوص في صمت المطر العميق.كل قطرة تسقط كذكرى تبحث عن جرح لتُعيد فتحه،أو كغفران يبحث عن قلب ليغسله.كأن الزمن هنا،تحت هذه القبة الرطبة،يتوقف ليسمح للروح أن تتنفس أخيرًا. ليس المطر سوى حوار بين الأرض المتعطشة والسماء المتسامحة،وأنا في الوسط،كجسر من لحم ودم،أحمل في صدرى نهرا من الأسئلة التي لا تجد ضفافا.هل نبحث في الدموع عن خلاصٍ ما، أم أننا نكتب بألمنا سيرة للمطر كي يحفظها لنا حين نغيب؟!
الحياة لا تسأل عن جروحنا،لكن المطر يأتي كل عام كطبيب روحاني،يداوي بالنسيان تارة، وبالتذكر تارة أخرى.وها أنا،بين المنزلتين،أتعلم كيف أكون إنسانًا: أشتاق، أغفر،أتألم،وأحب..ثم أمطر.

محمد المحسن



تعليقات