إن الله لا يستحي من الحق
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فيا عباد الله إن خير ما تربى عليه النفس والزوجة والأولاد والمجتمعات، وإن خير ما يضمن للأمة أجيالا ومجتمعات قوية هو أن نعظم الله في القلوب، فو الله ما ضعفت الأمة وما هانت وما لانت إلا يوم أن ضعف في قلوبهم تعظيم الله جل جلاله، هذا الأمر شرعه الله للطفل منذ ولادته فسن لوليه أن يأذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى فيكون أول كلام يسمعه ويلامس أذنه هو كلمة التوحيد كلمة التعظيم لله لا إله إلا الله، وكم من الأمهات اليوم يلدن في مستشفيات الطاقم الطبي فيها من غير المسلمين، أو من الجاهلات بأمور الدين.
فيمكث الطفل لا يسمع تلك الكلمات المعظمة لقدر الله في قلبه، ثم أُمرنا أن نأمر أولادنا بالصلاة من سن سبع سنين ولمدة ثلاث سنوات في كل يوم خمس مرات، وتأملوا الفرق بين من يأمر أولاده بالصلاة بعبارات باهتة باردة لا روح فيها ولا تربية وكأنه يؤدي عمل مفروض عليه فيقول لابنه يابني قم للصلاة، وبين آخر فقه المعنى التربوي وراء ذلك وإستخدم ذلك الأمر لتعظيم الله في قلوب الأولاد، فعندما يسمع الآذان يقول بابني هذا ربنا وخالقنا ينادينا هي لنجيب نداء الله العظيم، ونحوها من العبارات، واعلموا أن خلق الحياء في المسلم غير مانع له أن يقول حقا أو يطلب علما أو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، فقد شفع مرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه فلم يمنع الحياء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لأسامة في غضب.
" أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة والله لو سرقت فلانة لقطعت يدها " ولم يمنع الحياء أم سليم الأنصارية أن تقول يا رسول الله "إن الله لا يستحي من الحق" فهل على المرأة من غسل إذا هب احتلمت ؟ فيقول لها رسول الله ولم يمنعه الحياء " نعم إذا رأت الماء " وخطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة فعرض لغلاء المهور فقالت له امرأة أيعطينا الله وتمنعنا يا عمر ألم يقل الله "وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا" فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها ولم يمنع عمر أن يقول معتذرا كل الناس أفقه منك يا عمر، وقال مرة في المسلمين وعليه ثوبان فأمر بالسمع والطاعة فنطق أحد المسلمين قائلا فلا سمع ولا طاعة يا عمر عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد فنادى عمر بأعلى صوته يا عبد الله ابن عمر فأجابه ولده لبيك أبتاه فقال له أنشدك الله أليس أحد ثوبي هو ثوبك أعطيتنيه ؟
قال بلى والله فقال الرجل الآن نسمع ونطيع فانظر كيف لم يمنع الحياء الرجل، أن يقول ولا عمر أن يعترف، وروى شعبة عن منصور بن ربعي عن أبي منصور البدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى يا ابن آدم إذا لم تستحي فاصنع ما شئت " وليس هذا القول إغراء بفعل المعاصي عن قلة الحياء كما توهمه بعض من جهل معاني الكلام ومواضعات الخطاب، واختلف أهل العلم في معنى هذا الخبر فقال أبوبكر بن محمد الشاشي في أصول الفقه، معنى هذا الحديث أن من لم يستحي دعاه ترك الحياء إلى أن يعمل ما يشاء لا يردعه عنه رادع فليستحي المرء فإن الحياء يردعه، وقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة أن المعنى فيه إذا عرضت عليك أفعالك التي هممت بفعلها فلم تستحي منها لحسنها وجمالها فاصنع ما شئت منها.
فجعل الحياء حكما على أفعاله وكلا القولين حسن والأول أشبه لأن الكلام خرج عن النبي صلى الله عليه وسلم مخرج الذم لا مخرج المدح ولكن قد جاء حديث بما يضاهي الثاني وهو قوله صلى الله عليه وسلم " ما أحببت أن تسمعه أذناك فائته وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه "

تعليقات
إرسال تعليق