قيمة الأخلاق وعظم القيام بها
بقلم / محمـــد الدكـــروري
عباد الله إن الله تعالي يحب معالي الأخلاق ويبغض سفسافه، وإن أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن، وأحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلق، وأفضل المؤمنين أحسنهم خلق، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة، وإن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار، وخير ما أعطي الناس خلق حسن، وليست هذه الفضائل إلا لقيمة الأخلاق وعظم القيام بها، فالحمد لله رب العالمين الذي لا يحمد علي مكروه سواه، فأن مدح الناس وحمدهم أمر مذموم والحمد غير الشكر، فمن فعل إليك معروفا فاشكره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لا يشكر الناس لا يشكر الله " أما حمد الناس ومدحهم فمذموم ومنهي عنه شرعا وخاصة إذا لم يكن في الممدوح.
ما ذكر فيه من مدح وثناء، فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويحك قطعت عنق صاحبك ويقوله مرارا، وإن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل " أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذٰلك والله حَسيبه ولا يُزكي على الله أحدا" متفق عليه، ومعنى الحديث هو أنه إذا أردت مدح إنسان مع كراهة ذلك شرعا، فقل أحسب فلانا من خير الناس وأفضلهم علما وتقى وورعا والله حسيبه ولا أُزكي على الله أحدا، وإن تركت مدح الناس فهو أقرب للتقوى واتباع الهدى، وإنه عندما عرض علي رسول الله صلي الله عليه وسلم أحد أصحابه أن يقتل عبد الله بن أبي زعيم المنافقين قال "لا حتى لا يقال إن محمدا يقتل أصحابه" فلقد صارت إنسانيته بأعدائه وشفقته بخصومه مفتاحا فضّ به أقفالا صدئة.
وفتح به أبوابا موصدة، وكان صلى الله عليه وسلم يعتبر الحيوان كيانا معتبرا ذا روح يحس بالجوع ويشعر بالعطش، ويتألم بالمرض والتعب، ويدركه ما يدرك الإنسان من أعراض الجسد، لذا رأيناه صلى الله عليه وسلم تتألم نفسه ويرق قلبه لحيوان عضه الجوع ونال منه الجهد، فعن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير قد لصق ظهره ببطنه فقال "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة" ولقد وسعت شفقته فراخ طائر وأبت أن يفرق بينهم، فيقول عبد الله بن عمر كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها" وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في "منى"
خرجت حية فأسرع بعض أصحابه لقتلها غير أنها استطاعت أن تنسل بين شقوق الصخور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يراقب المنظر عن بعد "وقاها الله شركم، ووقاكم شرها" فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى في ما همّ به الصحابة شرا، والمقتول وإن كان حية إلا أن لها مكانا في هذه الدنيا، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم نصير كل حيوان أعتدي عليه، وأهمل في حقه فكان أول من أسس جماعة للرفق بالحيوان والدفاع عنه والانتصاف من ظالمه، يروي عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما جاء بعير يشتد حتى سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام بين يديه فذرفت عيناه، فقال رسول الله "من صاحب هذا البعير؟" قالوا فلان، فقال "ادعوه" فأتوا به فقال له رسول الله "يشكوك" فقال يا رسول الله هذا البعير كنا نسنوا عليه منذ عشرين سنة، ثم أردنا نحره.
فقال رسول الله "شكى ذلك، بئس ما جازيتموه، إستعملتموه عشرين سنة حتى إذا أرق عظمه، ورق جلده أردتم نحره بعينه" قالوا بل هو لك يا رسول الله فأمر به رسول الله فوجهه نحو الظهر "أي الإبل" فيا أيها المسلمون من أخلاق العظماء هو الصبر والعفة والشجاعة والعدل، فالصبر يحمل المرء على الإحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة، والعفة تحمله على إجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل، وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة، والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها.
ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.

تعليقات
إرسال تعليق