استقبال رمضان: بين الشوق الروحي..والاستعداد العملي..
يطلّ علينا شهر رمضان المبارك قريبا،كوعد سماوي يلامس شغاف القلوب،حاملا في طياته نفحات إيمانية عطرة،وأجواء روحانية تسمو بالنفوس، وتشرئبّ لها الأفئدة شوقا وابتهالا.إنه الشهر الذي تتنزّل فيه الرحمات كغيث الخير،وتتضاعف فيه الحسنات بفضل الكريم الوهاب،وتُستجاب فيه الدعوات بلطف العزيز الغفار.شهر اختصّه الله تعالى من بين الشهور،وجعل صيامه ركنا شامخا من أركان الإسلام،وفرضا محبوبا على كل مسلم ومسلمة،تكريما لأمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
رمضان ليس شهرا عابرا في رزنامة الزمن،بل هو مدرسة التقوى الفريدة،ومحطة للتزود الإيماني، حيث يتخرّج المؤمنون بدرجات عالية من المراقبة لله والصبر على الطاعة،والانتصار على الشهوات. إنه شهر الصوم والقرآن،زاد الروح وغذاء القلب، حيث تُصفّى النفوس من أدران الغفلة،وتُستنزل السكينة كغطاء رباني على القلوب،وتتجلّى معاني العبودية الخالصة لله وحده.ففيه تُفتح أبواب الجنان على مصراعيها رحمة من الرحمن،وتُغلق أبواب النيران حِلمًا من الغفور،وتُصفّد مردة الشياطين تكريماً للصائمين،ليكون الجوّ مهيأً للخلوة مع الله،والانقطاع إليه بكليّة القلب،في حالة من الأنس الروحي لا يعرف حلاوتها إلا من ذاق طعم الإيمان.
ولذلك،فإن الاستعداد لهذا الضيف الكريم ليس مجرد عادة اجتماعية،بل هو عبادة تُقربنا إلى الله تعالى،وتُعيننا على اغتنام أيامه ولياليه اغتنام الواثق بموعود ربه.فالاستعداد يكون بتجهيز النفس بالتوبة الصادقة التي تُطهر القلب وتُعيد له نقاوته،وبتعظيم حرمة الشهر في القلب حتى يمتلئ إجلالا وهيبة،وبتنظيم الوقت ليكون حصة للصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء،وحصة للبرّ والإحسان إلى الناس.كما يكون بالاستعداد المادي للعطاء والصدقات،وإطعام الصائمين،وإدخال السرور على المحتاجين،فنشارك في بركة العطاء الذي هو سرّ من أسرار هذا الشهر العظيم.
أيها المؤمنون،إن أمانة هذا الشهر تقتضي منا وقفة صادقة مع النفس،نُهيئ فيها قلوبنا لاستقبال مواسم الخير.فلنكن من السابقين إلى التوبة النصوح،ولنُعدّ العدة بالإقبال على القرآن،ولنُكثر من الدعاء: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان". ولنتذكر أن الله تعالى يُحب من عبده أن يُحسن الاستقبال لضيافته،فكيف بضيف كريم جعله ربنا موسماً للمغفرة والعتق من النار.
فلا تغفلوا -أيها الأحبة-عن هذه الليالي والأيام المعدودات،فهي فرصة ذهبية قد لا تَتَكرّر.
فلنُسارع إلى تدارك ما فات،ولنُنَزِّه قلوبنا للواحد الأحد،ولنَعِش مع القرآن تلاوة وفهما وعملا.
ولنتذكر أن العبرة ليست بانقضاء الصوم،بل ببقاء أثره في قلوبنا وسلوكنا.
اللهم بلّغنا شهر رمضان بأتم صحة وأوسع رحمة، واعنا على صيامه وقيامه إيمانا واحتسابا،وتقبّله منا تقبل الأعمال الصالحة،واجعلنا فيه من العتقاء من النار،والفائزين برضوانك والجنة.واجعل هذا الشهر فاتحة خير لنا في ديننا ودنيانا،وارزقنا فيه لذة المناجاة،وحلاوة الإيمان،وطمأنينة القلب. واختم لنا بخير،واجعل عواقب أمورنا كلها إلى خير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
محمد المحسن


تعليقات
إرسال تعليق