على هامش " أزمة" إتحاد الكتاب التونسيين صمت الوزارة يزيد جراح اتحاد الكتّاب نزفا..إلى متى..؟! الشاعر الناقد محمد المحسن
على هامش " أزمة" إتحاد الكتاب التونسيين
صمت الوزارة يزيد جراح اتحاد الكتّاب نزفا..إلى متى..؟!
هبّت عاصفة من الجدل العنيف خلال المؤتمر الانتخابي الأخير لاتحاد الكتّاب التونسيين،فلم تترك شاردة ولا واردة إلا وأثارتها.إذ تحوّلت القاعة إلى ساحة اتهامات متبادلة بين أعضاء هيئته القديمة ومترشّحين جدد ومنشقين عنه،حيث تردّدت أصوات عالية باتهامات بالتدليس والتلاعب في صناديق الاقتراع،ووصل الأمر إلى المطالبة بتحكيم عدل خارجي لتوثيق المخالفات.ولم يهدأ الجدل حتى انتشرت عريضة للمطالبة بمحاسبة المسؤولين والتحقيق في تجاوزات مُدّعية،لا سيما تلك المتعلقة بالتقرير المالي وجملة من التفاصيل التي فجّرت الخلاف.
وبغضّ النظر عن حرارة التنافس الطبيعية التي قد تلهب الخصومة بين المتنافسين،أو بين المؤيدين والمعارضين،تبقى الأسئلة معلقة بعد أسابيع ثلاث على إعلان النتائج وتشكيل الهيئة الجديدة: أي مصير ينتظر هذا المرفق الثقافي الهام؟ وأين تكمن الحقيقة فيما جرى؟ وما الموقف الرسمي لوزارة الثقافة من هذه العاصفة التي هزّت البناء من أساسه؟ وهل اكتفت الوزارة بدور المتفرج الصامت،أم أنها تعمل خلف الكواليس لتأكيد شرعية هذه الهيئة التي يطالها الشك،أو لكشف التجاوزات وتصحيح المسار؟
حتى اللحظة،لم يصدر عن الوزارة ما يطمئن القلوب،ولا ما يشير إلى نيتها الجادة في كشف الغموض وفرز الحقيقة من الزيف،أو-ردّ الحقوق- إلى أصحابها.!
هذا الصمت المريب تجاه مؤسسة من المفترض أن تكون بيتا يجمع شمل المبدعين لا أن يفرقهم، ويسعى لتحسين أوضاعهم لا لإغراقهم في المشاكل،وليزيد من رونق المشهد الثقافي لا ليُلطخ سمعته بالاتهامات..
قلت،هذا الصمت يحمل في طياته رسائل خطيرة. فهو إما مؤشر على تنصل الوزارة من مسؤوليتها تجاه اتحاد يعاني تصدعات قد تودي به إلى الهاوية،وإما دليل على عمل هادئ لكن غير معلن لإنقاذ هيبة هذه المؤسسة التي يجب أن تظل بيتا لكل الأقلام دون استثناء،وليست إقطاعية خاصة تسير بأهواء أشخاص،بعيدا عن مبادئ الشفافية والمحاسبة وسيادة النظام.!
ووفقا لمنطق المؤسساتية،فإن اتحاد الكتّاب يعد جزءا من المنظومة الثقافية الرسمية،حتى وإن كانت إدارته تتم بيد الكتّاب أنفسهم عبر انتخابات تمنح الفائزين شرف تمثيل رفاقهم في المحافل. وتظل أنشطته وفعالياته،رغم حريتها وارتباطها برؤية الهيئة المديرة،تدخل في النهاية ضمن الإطار العام لسياسة الوزارة الوصية،والتي هي بدورها مرآة لسياسة الدولة،ولا يمكن أن تكون جزيرة منعزلة تتصرف بمزاجها.
وبما أن الانطلاقة السليمة هي ضمانة الاستمرارية، فقد خلف المؤتمر الأخير جروحا غائرة وفرّق الجمع إلى شيع،وزاد من عدد الناقمين بين مقاطع ومحتج ومنسحب،ليترك هذا الهيكل في حالة ضعف تجعل الثقة بأدائه المستقبلي وهما، ويصعب معها التعويل عليه في تمثيل كتّاب تونس بما يتناسب مع مكانة الإبداع والكلمة.
وفي خضم هذا الأزمة،لا يتعلق الأمر بمصير اتحاد الكتّاب فحسب،بل بمصداقية المشهد الثقافي التونسي برمته،والذي لطالما كان رائدا على مستوى العالم العربي.فالدور التاريخي للكاتب التونسي ليس محليا فحسب،بل هو جزء من ضمير الأمة وأحد حراس هويتها ونهضتها.
إن ترك هذه المؤسسة العريقة تتأرجح على حافة الهاوية تحت وطأة الشكوك وغياب الوضوح،هو إضعاف لصوت الثقافة في معركة الوجود والهوية. إن تضامن المؤسسات الثقافية المستقلة ووقوف الرأي العام المثقف إلى جانب الحقيقة والشفافية، يعدان رافدا أساسيا للضغط من أجل فض الاشتباك بين الأطراف وكشف الغموض.كما أن النظر إلى تجارب مشابهة في المحيط العربي، حيث أدت إهمال أزمات المؤسسات الثقافية إلى إفقادها دورها وتأثيرها،يجب أن يكون جرس إنذار.فاستعادة هيبة الاتحاد تحتاج إلى مبادرة شجاعة،قد تبدأ باعتذار،أو حوار وطني جامع،أو إعادة تنظيم تأسيسية تضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.فالثقافة أمانة،والكاتب شاهد عصر،ولا يجوز أن يضيع الحق في زحام الصمت والصراعات الضيقة.
متابعة محمد المحسن


تعليقات
إرسال تعليق