المعالج النفسي بين الوعي والإنكار بقلم د هدير محمود فايد

المعالج النفسي بين الوعي والإنكار

بقلم د هدير محمود فايد

المقدمة :
في عالم الصحة النفسية، نلجأ إلى المعالج باحثين عن الأمان، الفهم، والاحتواء. نذهب إليه ونحن نحمل أوجاعنا، معتقدين أنه الأقدر على تفكيك الألم وإعادة ترتيب الروح. لكن قليلًا ما نسأل:
هل كل معالج نفسي قادر فعلًا على علاج غيره… وهو لم يعالج نفسه بعد؟

الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، أن بعض المعالجين النفسيين يحملون داخلهم جروحًا لم تلتئم، وصدمات لم تُفهم، ومشاعر لم تُحل. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الجراح إلى عدسات يرون بها مرضاهم، فيسقطون مشكلاتهم الشخصية على الحالات التي أمامهم دون وعي.
فالمعالج الغاضب قد يرى الغضب في كل مريض.
والمعالج المهزوم قد يفسر قوة المريض على أنها إنكار.
والمعالج الذي لم يتصالح مع نفسه قد يتعامل بفظاظة أو قسوة أو تعالٍ وهو يظن أنه "حازم مهني".
وهنا تكمن الخطورة.
ليس الخطر في أن يكون المعالج إنسانًا يخطئ أو يتألم، بل في أن ينكر ألمه، ويرفض الاعتراف بضعفه، ويصرّ على ارتداء عباءة الكمال وهو في الداخل هشّ ومثقل
.

ماذا تقول الدراسات؟

الأرقام تكشف أن هذه المشكلة ليست افتراضًا أدبيًا، بل واقعًا مهنيًا موثقًا:

في مصر:
أظهرت دراسة مصرية شملت 156 ممارسًا في الصحة النفسية من مستشفيات نفسية بالقاهرة أن:
57.7% يعانون من إرهاق عاطفي مرتفع.
21.5% لديهم انفصال عاطفي في التعامل مع المرضى (Depersonalization).
47.8% يشعرون بانخفاض الإحساس بالإنجاز الشخصي.
وهي مؤشرات خطيرة تعكس حجم الضغط النفسي الواقع على المعالجين أنفسهم، بما قد يؤثر مباشرة على طريقة تعاملهم مع المرضى وجودة العلاج.

وفي دراسة أخرى أُجريت في مستشفى العباسية للطب النفسي، تبيّن أن أكثر من نصف الأطباء النفسيين يعانون مستويات مرتفعة من الاحتراق النفسي، مصحوبة باستنزاف عاطفي وقلق وظيفي واضح.

عالميًا:
تشير دراسات متعددة إلى أن:
أكثر من 40% من الأخصائيين النفسيين يعانون إرهاقًا عاطفيًا مرتفعًا.
حوالي 45% من الأطباء النفسيين أبلغوا عن شعورهم بالاحتراق النفسي.
ما يقرب من 61% من الأخصائيين النفسيين مرّوا بتجربة احتراق مهني في مرحلة من حياتهم المهنية.
وهي نسب تؤكد أن الإجهاد النفسي بين المعالجين ليس ظاهرة محلية، بل أزمة مهنية عالمية.
هذه الأرقام تضعنا أمام حقيقة صادمة:
كيف يمكن لمعالج مُنهك نفسيًا أن يمنح الآخرين اتزانًا نفسيًا حقيقيًا؟

بعض المرضى يخرجون من الجلسات لا يشعرون بالراحة، بل بالذنب.
بعضهم يشعر أنه موضع اتهام لا موضع فهم.
وبعضهم يظن أن المشكلة فيه… بينما المشكلة كانت في أسلوب المعالج لا في حالته.
المعالج النفسي الحقيقي لا يرفع نفسه فوق المريض، بل يجلس بجانبه.
لا يتحدث من برج عاجي، بل من مساحة إنسانية واعية.
ولا يستخدم قسوته الشخصية تحت مسمى "الصراحة العلاجية".
الفظاظة ليست علاجًا.
والحكم ليس إرشادًا.
والتعالي ليس علمًا.
المهنة النفسية لا تقوم فقط على الشهادات، بل على الوعي الذاتي.
على قدرة المعالج أن يسأل نفسه قبل أن يسأل غيره:
"هل أنا بخير فعلًا؟ أم أهرب من نفسي إلى علاج الآخرين؟"

في مدارس العلاج النفسي المتقدمة، يخضع المعالج نفسه لعلاج دوري، ليس لأنه مريض بالضرورة، بل لأنه إنسان. إنسان يحتاج أن يرى ظله، ويواجه نقاط ضعفه، ويمنعها من التسلل إلى جلساته مع المرضى.
أما المريض، فليس مطالبًا بتحمّل أذى المعالج بحجة أنه متخصص.
من حقه أن يشعر بالأمان.
ومن حقه أن ينسحب إذا شعر بالإهانة أو القسوة أو التقليل.
ومن حقه أن يبحث عن معالج يرى فيه إنسانًا لا حالة فقط.

ويبقى السؤال الأهم:
متى ندرك أن أعظم معالج هو من تجرأ على علاج نفسه أولًا؟
لأن من لم يواجه ألمه…
قد يزرعه في غيره دون أن يدري.

تعليقات