إعبروها ولا تعمروها
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الله تعالى هو الرب الخلاق وهو الملك الرزاق خلق الإنسان في أحسن تقويم وفطر السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر، وجعل الظلمات والنور، وهو الذي يرسل الرياح، وينزل المطر ويخرج النبات ويدبر الأمر ويفصل الآيات "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" ومن تأمل هذه الآيات امتلأ قلبه إجلالا وتعظيما لله سبحانه وتعالي فأعرف الناس بالله هو أشدهم له تعظيما وإجلالا، وأما توحيد الأسماء والصفات فملخصه هو إثبات ما أثبته الله تعالي لنفسه أو أثبته له رسوله المصطفي صلي الله عليه وسلم من الأسماء والصفات إثباتا يليق بجلال الله تعالى، دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" وهذا التوحيد أعني توحيد الأسماء والصفات هو روح الإيمان، فإنه متى ما عرف العبد أسماء الله وصفاته، وعلم ما تدل عليه من المعاني العظيمة.
وتعبد الله بهذه الأسماء والصفات ودعاه بها إنفتح لقلبه باب التوحيد الخالص والإيمان الكامل، ولقد كان حال السلف في هذه الدنيا خير حال فلم ينظروا إلى زخرفها ومتعها ودورها وقصورها فهذا عمر بن الخطاب يعتلي المنبر، ويخطب في الناس، وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة، فالخليفة الثاني هذا هو على المنبر لو تمزق ثوب أحدنا لما ذهب إلى المسجد وتخلف عن صلاة الجماعة بل الكثير يترك صلاة الجماعة لأوهى الأعذار، ومن وصايا المسيح عليه السلام لأصحابه اعبروها ولا تعمروها، وروي أنه قال من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا، ولنسير مع مسروق بن الأجدع وقد أخذ بيد ابن أخ له فارتقى به على كناسة بالكوفة، فقال ألا أريك الدنيا، هذه الدنيا، أكلوها فأفنوها، لبسوها فأبلوها، ركبوها فأنضوها، سفكوا فيها دماءهم.
واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا فيها أرحامهم، واعلموا يرحمكم الله إن المرتبة الثالثة هى إفساد الدائرة المحيطة بالمفسدين عن طريق بث أخلاق وصفات ودعاوى الفساد، وذلك بالإسراف في المعاصي حتى يتعدى أثرها إلى غير أصحابها، ولهذا قال نبى الله صالح عليه السلام، ناهيا قومه عن التأثر بالمفسدين كما جاء فى سورة الشعراء " ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون" وإن المرتبة الرابعة هى إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم، زعما بأنهم يقفون ضد مصالح الناس، وإن المرتبة الرابعة من الفساد هى إفساد الدائرة الأوسع في المجتمعات عن طريق إشاعة الأمراض الاجتماعية المفسدة بواسطة المضلين.
مثل إثارة فتن الشبهات والشهوات، والوقوف في وجه المصلحين وإحداث العقبات في طرقهم زعما بأنهم يقفون ضد مصالح الناس، فقال الله تعالى فى سورة البقرة " وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" وقال الملأ المضلون من قوم فرعون كما جاء فى سورة الأعراف " أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك" وإن المرتبة الخامسة هى الإفساد الناشئ عن فساد الحكام والقادة والزعماء، وهو الفساد الأكبر، لأن الكبراء إذا فسدوا في أنفسهم فإنهم ينشرون الفساد بقوة نفوذهم، واستخدام سلطاتهم وقوتهم وقد ذكر القرآن عن بلقيس قولها كما جاء فى سورة النمل "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكذلك يفعلون" وكثيرا ما يزعم الطغاة المتكبرون أن المصلحين هم أصحاب الفساد.
كما قال فرعون عن موسى عليه السلام كما جاء فى سورة غافر " إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد" هذا بالرغم من أن فرعون نفسه كان مكثرا من الإفساد بكل أنواعه، ولا تشفع له الأبراج العالية والأصنام المنصوبة والقبور المشيدة فيما يطلق عليه الحضارة الفرعونية، فإنها جميعا شواهد على استبداد وسيطرة وطغيان الفراعين الذين كانوا يطمعون أن ينقلوا معهم الثروات المسروقة من الشعوب المستضعفة إلى قبورهم، فقال الله تعالى فى سورة الفجر "وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد" وقد وصف القرآن الكريم فرعون بالعلو والإفساد في الأرض كما جاء فى سورة القصص " إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، إنه كان من المفسدين"
ومثلما كان فرعون، مفسدا بنفوذه السياسي والعسكري، فقد كان قارون مفسدا بنفوذه المالي الاقتصادي، وقد كان قادرا على استعمال أمواله في الإصلاح في الأرض، ولكنه أبى إلا أن يستعمل نعمة الله في محاربة الله، وقد قال له الناصحون من قومه كما جاء فى سورة القصص " ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين، قال إنما أوتيته على علم عندي".

تعليقات
إرسال تعليق