العنف الزوجي: من السكن إلى ساحة العنف
بقلم: د/ هدير محمود فايد
اخصائي تربية خاصة وارشاد اسري
لقد كان من المفترض أن تكون العلاقة الزوجية ملاذًا للطمأنينة، وبيئةً لنشأة الأسرة في أمان وتفاهم. لكن الواقع المؤلم في مجتمعاتنا اليوم يخبرنا بأن كثيرًا من العلاقات الزوجية تتحوَّل إلى ما يشبه الساحة، حيث تسود لغة العنف، وتتكرّر فيها الإهانات، والضرب، وحتى جرائم القتل التي باتت تُسجَّل بشكل متزايد.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو (30%) من النساء عالميًا تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي أو كليهما من شريك حميم في حياتهن، وهو رقم يشمل العنف الزوجي وغيره من علاقات الشريك الحميم.
وليس هذا فقط؛ ففي آخر سنة فقط تعرض حوالي (11%) من النساء الذين تبلغ أعمارهن 15 عامًا فأكثر للعنف الجسدي أو الجنسي من قبل شريك حميم خلال الأشهر الاثني عشر الماضية.
وإذا انتقلنا من عموم ظاهرة العنف إلى نهايتها المأساوية، فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن نحو 140 امرأة وفتاة يُقتلن يوميًا في مختلف أنحاء العالم على يد شركائهن أو أحد أفراد الأسرة، أي ما يقرب من 51 ألف حالة وفاة سنويًا بنهاية عام 2023.
أما في السياق المصري، فقد رصدت بعض التقارير المحلية في النصف الأول من عام 2025 نحو 100 بلاغ عن جرائم قتل أسرية أودت بحياة نحو 120 ضحية، وكان الزوج من أكبر الفاعلين بنسبة 29 جريمة من أصل تلك الحالات.
هذه الأرقام ليست مجرد بيانات جامدة، بل شهادات على معاناة إنسانية يومية، خلف أبواب مغلقة، وأسر تخشى البوح، ومجتمعات تنظر أحيانًا إلى العنف على أنه شأن “خاص” أو “أمر عابر”، حتى تتحوّل الجراَمة إلى خبرٍ مألوف يظهر في الأخبار.
العنف الزوجي ليس ضربًا وحده
العنف يتخذ أشكالاً متعددة:
نفسيًا: إهانة، تهديد، استهانة.
اقتصاديًا: حرمان من المال أو حق العمل.
جنسيًا: إجبار أو إساءة.
جسديًا: ضرب، كسور، إيذاء قد يصل حد القتل.
الاعتبارات المجتمعية
للأسف، التطبيع المجتمعي يلعب دورًا في استمرار الظاهرة، فيشكل حواجز أمام الإبلاغ وطلب المساندة. وهناك من يبرر أو يقلل من شأن العنف بدعوى أنه “جزء من الحياة الزوجية”، أو بسبب “الضغوط الاقتصادية”، أو “قلة الوعي”.
لكن الحقيقة البسيطة الصادمة هي أن لا مبرر للعنف مهما كانت الظروف، وأن استمرار الصمت يؤدي إلى أن يتحوّل البيت من مكان أمان إلى مصدر تهديد.
ماذا نفعل؟
القضاء على العنف الزوجي ممكن، لكنه يحتاج إلى:
1. توعية مستمرة في المدارس، الجامعات، والمساجد والكنائس عن حقوق الإنسان وكرامة المرأة والأسرة.
2. تشريعات واضحة تحدد عقوبات رادعة لكل أشكال العنف.
3. خدمات دعم نفسي وقانوني للمغتصبات والمعتدى عليهن من الزوجات.
4. تحفيز المجتمع ليكون بيئة داعمة للضحية وليست متهمة لها.
5. إشراك الرجل أيضًا في برامج توعيه وتعديل سلوك ونمط العلاقة الزوجية.
خاتمة
العنف الزوجي ليس مسألة خاصة أو أمرًا يمكن التغاضي عنه، بل أزمة إنسانية وصحية واجتماعية. إن استمرار العنف يعكس فشلًا جماعيًا في حماية الأضعف، وفي خلق بيئة زوجية سليمة. لا يمكننا أن نلوم الضحية وحدها، بل يجب أن نسأل أنفسنا كمجتمع: هل نحن متواطئون بسكوتنا؟ أم نحن بالفعل نريد أن نضع حدًا لهذا العنف؟

تعليقات
إرسال تعليق